كيف يدير المركزي المصري معركة "مرونة الصرف"؟
السبت، 31 أكتوبر 2026 09:30 م
خبراء اقتصاد لـ"صوت الأمة": الاوضاع الجيوسياسية وخروج الأموال الساخنة السبب في ارتفاع سعر الدولار
تحول المركزى من الدفاع الأضطرارى في 2022 عن الجنية إلى "تحرك هيكلي" فكك التشوهات السعرية بين الرسمي والموازى
بين ازمات جيوسياسية تحيط بالمنطقة العربية وازمات اقتصادية عالمية تؤثر على الأوضاع الاقتصادية فى مصر خاصة فى ظل الحروب الدائرة حاليا في المنطقة، وقف الدولار بين الصعود المفاجئ والتراجع البطئ مقابل الجنيه المصرى الذي يتعرض لضغطة قوية، وبعد استقرار دام أكثر من اربع أعوام وفى تطور مفاجئ ارتفع الدولار كاسرا حاجز الـ55 جنيه خلال أسبوع، فتحركات أسعار الصرف تعكس دائما استقرار الاوضاع الاقتصادي، وبينما ارتبطت أزمة عام 2022 بنقص حاد في السيولة الدولارية وشح النقد الأجنبي عقب اندلاع الأزمة الروسية-الأوكرانية وخروج الأموال الساخنة، يأتي ارتفاع عام 2026 في ظل مشهد اقتصادي مختلف، محكوماً بآليات العرض والطلب وتنفيذ التزامات التحرير المرن للعملة وتحرير سعر الصرف، لكن السؤال الأهم فى الأزمة الحالية يقف عند كيفية تعامل الحكومة مع الملف خلال 2026، ولقد انتقلت الإدارة الاقتصادية للحكومة من "دفاع اضطراري" في 2022 اعتمد على إجراءات الاستيراد الاحترازية والدعم الخليجي المباشر لتهدئة الأسواق، إلى "تحرك هيكلي" بحلول عام 2026 يرتكز على جذب الاستثمارات المباشرة الضخمة، وتعزيز حصيلة الصادرات، وتفكيك التشوهات السعرية بين السعر الرسمي والسوق الموازية.
وبين الأزمتين، يقف المتابع أمام سؤال جوهري: هل نجحت السياسات النقدية والمالية في تحويل صدمات أسعار الصرف من تهديد دائم للأسعار إلى أداة لتعزيز التنافسية الاقتصادية وجذب رؤوس الأموال؟.. وهذا ما سنحاول تحليله فى هذا التقرير.
الدكتور عز حسانين، الخبير الاقتصادي فند لـ"صوت الأمة" الأزمة، وقال: "ترجع التحركات الأخيرة وصعود الدولار متجاوزاً مستويات الـ 56 جنيهاً إلى مزيج من العوامل الاقتصادية المحلية والخارجية، ومنها خروج جزئي للاستثمارات الأجنبية (الأموال الساخنة)، حيث ضغطت التغيرات في الأسواق العالمية واتجاهات الفائدة الأمريكية على شهية المستثمرين الأجانب في أدوات الدين الحكومي، مما أدى لعمليات تخارج أو إعادة تمركز وترتيب للمراكز المالية، فقد شهدت مؤشرات الأسواق الأسيوية مثل كوسبي لكوريا الجنوبية، ونايكي لليابان، وسانج هانج سنج كونج، وكذلك مؤشرات الأسواق الأمريكية مثل ستاندرد اند بورز 500، وناسداك، انخفاضات عنيفة تراوحت ما بين 2.5% الي 4% مما كان له تأثير سلبي علي تدفقات وتحركات رؤوس الأموال الأجنبية من مناطق عدة حول العالم ومن اكثرها منطقه الأسواق الناشئة ومنها مصر.
وأشار حسانين إلى أن ارتفاع مؤشر الدولار وارتفاع عائد السندات الأمريكية اجل 10 سنوات، بالإضافة الي التهديدات الأمريكية المستمرة لإيران بشن حرب وضربات اعنف في الأيام القليلة القادمة، كل ذلك ساهم بشكل مباشر في إعادة المستثمرين الي ترتيب اوزان المحافظ الاستثمارية ومنها السوق المصري، فتم تخارج جزئي حتي الآن من محفظة الأموال الساخنة في مصر لتغطية مراكز مكشوفه للمستثمرين في الأسواق الأسيوية والأمريكية، وهناك من تخارج للاستثمار في الملاذات الأكثر امانا حاليا وهي الدولار والسندات الأمريكية، ومن تخارج بسبب حالة عدم اليقين الحالية بشان العمليات العسكرية، وتزامن ذلك فى الفترة الحالية مع احتياجات استيرادية مكثفة واستعدادات مبكرة لتلبية احتياجات السلاسل الاستهلاكية والموسمية خاصة مع قرب شهر رمضان الكريم، مما يرفع حجم الطلب الفوري على النقد الأجنبي، فضلاً عن سداد التزامات خارجية دورية أو تحويل جزء من أرباح الشركات الأجنبية للخارج.
وعن كيفية تعامل الحكومة والبنك المركزي مع الأزمة الحالية، أوضح الخبير الاقتصادي، أن الدولة تعتمد في إدارتها لسوق الصرف على آليات توازن بين مرونة الأسواق وحماية الاستقرار المالي والنقدي من خلال ترك السوق يحكمه آليات العرض والطلب، لمنع تشوه الأسواق وتكوين أسواق موازية، مع السماح للعملة بامتصاص الصدمات الخارجية، وتسريع وتيرة برنامج الطروحات الحكومية، مثل طرح حصص في بنوك وشركات كبرى بالبورصة لتعزيز الحصيلة الدولارية، واستمرار مراجعات برنامج الإصلاح الاقتصادي مع المؤسسات الدولية، الحفاظ على أسعار الفائدة المرتفعة لجعل الجنيه المصري وعوائد الادخار المحلي أدوات جاذبة تكبح التضخم وتحد من الدولرة.
ورسم حسانين، السيناريوهات المطروحة لعودة الأسعار أو استقرارها بأربع سيناريوهات رئيسية، الأول الإيجابي، ويتمثل في انحسار التوترات العسكرية، وهنا سيكون سعر الدولار ما بين 48 إلى 50 جنيه للدولار، بشرط هدوء الأوضاع الجيوسياسية الإقليمية، وعودة تدفقات الأموال الأجنبية بقوة، وانتعاش إيرادات القنوات الدولارية الأساسية والتي لها حساسية شديدة للتغيرات الجيوسياسية، مثل السياحة وقناة السويس وتحويلات المصريين بالخارج.
أما السيناريو الثاني، ويراه الأرجح حالياً، ويتمثل في استقرار الدولار في نطاق متحرك وعرضي بين 52 إلى 57 جنيهاً، في حالة استمرار الضغوط الخارجية بنفس الوتيرة الحالية، ولكن مع نجاح الحكومة في توفير تغطية كافية للفجوة التمويلية وسد الطلب الاستيرادي دون حدوث قفزات حادة.
اما الثالث، السلبي ويتمثل في نشوب حرب إقليمية عنيفة، وهنا ستتجاوز الأسعار المستويات الحرجة وستكون أعلى من ذلك حال تفاقم الأزمات الإقليمية أو خروج مفاجئ لرؤوس الأموال الأجنبية في حدود 10 مليار دولار دفعه واحدة، هنا قد نصل الي 60 دولار او اقل قليلا.
اما السيناريو الرابع، وهو حالة الصدمة، ويتمثل في تخارج ما يزيد عن 20 مليار دولار دفعه واحده خلال أسبوع واحد مدفوع بسقوط عنيف للأسواق المال الأسيوية والأمريكية في حدود 20% من قيمتها السوقية وارتفاع النفط الي 140 دولار للبرميل، هنا قد نصل الي مستويات اعلى من 60 جنيه لكل دولار وربما نتجاوزها.
وختتم حسانين حديثه قائلا":من وجهة نظري الاقتصادية، إن ما يمر به الجنيه المصري ليس "أزمة هيكلية جديدة" بقدر ما هو "اختبار مرونة" في بيئة إقليمية وعالمية بالغة الاضطراب، موضحاً انه يجب ألا ننظر لمستوى الـ 56 جنيهاً أو أكثر باعتباره كارثة ما دامت البنوك متوفر فيها الدولار لتلبية الاحتياجات الحقيقية (الاستيراد والسلع الأساسية)، فالهدف الأساسي لمرونة سعر الصرف هو امتصاص الصدمات بدلاً من استنزاف الاحتياطي النقدي لدعم سعر غير واقعي، كما أن الرهان على "عودة الأسعار للسعر السابق تماماً" (أيام سعر الصرف الثابت) هو رهان غير واقعي اقتصادياً، فالاستقرار الحقيقي لا يقاس برقم منخفض للعملة، بل يُقاس باستقرار القوة الشرائية، السيطرة على معدلات التضخم، ونمو الإنتاج الحقيقي والتصدير.
من جانبه أكد أحمد خطاب، الخبير الإقتصادي، أن تأكيدات محافظ البنك المركزي المصري، حسن عبد الله، بشأن التمسك التام بتطبيق «سعر صرف مرن» للجنيه تعكس استراتيجية نقدية واضحة تستهدف امتصاص الصدمات، وتفادي تكرار أخطاء الماضي المتمثلة في التثبيت القسري للسعر واستنزاف الاحتياطي النقدي، مشيراً إلى أن التحركات الأخيرة في سعر الصرف ليست نتاج عوامل داخلية بحتة، بل هي انعكاس مباشر لحزمة من التوترات الجيوسياسية والضغوط الإقليمية المعقدة.
وأوضح خطاب لـ"صوت الأمة" أن البنك المركزي حسم موقفه بعدم التدخل المباشر لضخ العملة الأجنبية بهدف الدفاع عن مستويات محددة للجنيه أمام الدولار؛ إذ إن مبدأ «المرونة» يقتضي خضوع السعر لقوى العرض والطلب لتصحيح الاختلالات الهيكلية في السوق بصورة مستمرة.
وحول أسباب الضغوط الراهنة على العملة المحلية، أشار خطاب إلى أن التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، ولاسيما التصعيد العسكري المرتبط بإيران واليمن ومخاطر اتساع رقعة الصراع، ألقت بظلال قاتمة على ثقة المستثمرين الدوليين في الأسواق الناشئة، وكانت مصر من أكثر الاقتصادات تأثراً بهذا المناخ الضبابي، وانعكست هذه المخاوف في تسارع وتيرة خروج رؤوس الأموال غير المباشرة «الأموال الساخنة» من أذون وسندات الخزانة المحلية، حيث شهدت الأسابيع الأخيرة تسييلاً واسعاً من جانب صناديق الاستثمار الأجنبية والإقليمية لصافي استثمارات بالعملة المحلية تجاوز المليار دولار، وواكب ذلك ارتفاع كبير في حجم معاملات الإنتربنك الدولاري لتغطية طلبات خروج المستثمرين إلى الملاذات الآمنة، وفي مقدمتها أدوات الدين والأسهم الأمريكية المستفيدة من طفرة استثمارات الذكاء الاصطناعي AI، لافتاً إلى أن الأزمة الجيوسياسية لم تتوقف عند هروب المحافظ الاستثمارية، بل طالت الشرايين الحيوية للتدفقات الدولارية المنتظمة، وفي مقدمتها إيرادات قناة السويس التي فقدت نحو نصف حصيلتها المعتادة نتيجة اضطرابات حركة الملاحة في البحر الأحمر، فضلاً عن حالة الترقب التي تؤثر نسبياً على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وقرارات بعض الوفود السياحية في ظل التحذيرات الأمنية الصادرة عن بعض الدول.
تزامن ذلك، وفق خطاب، مع زيادة وتيرة الطلب الموسمي على العملة الصعبة من قِبل الشركات والمصانع لتلبية التزامات الاستيراد وسداد أقساط المديونيات الخارجية، فضلاً عن اتجاه شريحة من المواطنين والمستثمرين للتحوط عبر شراء الذهب أو الاحتفاظ بالسيولة الدولارية في ظل تقلبات الأسواق العالمية، لافتاً إلى أن التحركات النقدية تظل رهينة بمدى تجاوز سعر الصرف للحدود الآمنة، حيث تملك لجنة السياسة النقدية صلاحية عقد اجتماعات استثنائية لرفع الفائدة متى استدعت الضرورة القصوى ذلك لامتصاص السيولة والحد من عمليات المضاربة.
وحدد الخبير الاقتصادي، حزمة من المسارات العاجلة الواجب على الحكومة تبنيها لتعزيز الحصيلة الدولارية وتخفيف العبء عن الجنيه، تتضمن تنشيط القطاع السياحي بإطلاق حملات ترويجية وتسويقية مكثفة تستهدف موسم الشتاء وأعياد الميلاد لجذب سيولة سريعة من النقد الأجنبي، وتحفيز تحويلات العاملين بالخارج من خلال تقديم حزم تحفيزية نوعية للمصريين بالخارج (خاصة في دول الخليج) لضمان تدفق مدخراتهم عبر القنوات المصرفية الرسمية، فضلاً عن دعم ومساندة الصادرات بالتوسيع فى برامج رد الأعباء التصديرية للصناعات التحويلية والمنتجات الزراعية لرفع تنافسية السلع المصرية عالمياً وجلب موارد مستدامة من العملة الصعبة.