عندما تصبح الشهرة أغلى من القيم.. من ينقذ أخلاق المجتمع؟
السبت، 07 نوفمبر 2026 03:22 م
أمل محمد أمين
لم نعد نعيش في زمن يبحث فيه الإنسان عن النجاح بقدر ما أصبحنا نعيش في زمن يبحث فيه البعض عن الشهرة، بأي ثمن، وبأي وسيلة. يكفي أن تفتح هاتفك وتتصفح مواقع التواصل الاجتماعي حتى تجد نفسك أمام مشاهد غريبة ومؤلمة، أناس يفعلون أشياء لم نكن نتخيل يومًا أن إنسانًا قد يفعلها، فقط من أجل بضع دقائق من الشهرة، أو آلاف الإعجابات، أو تصدر قائمة الترند!
المؤلم حقًا ليس مجرد انتشار المحتوى التافه أو السلوكيات الغريبة، بل أن نرى البعض يتنازل عن حيائه وكرامته، ويستهين بخصوصيته وخصوصية أسرته، بل وقد يجرح الآخرين أو يهينهم، وكأن كل شيء أصبح مباحًا ما دام سيجلب له مزيدًا من المشاهدات والمتابعين. وكأن قيمة الإنسان لم تعد فيما يحمله من علم وأخلاق وإنسانية، بل فيما يستطيع أن يجمعه من أرقام على شاشة هاتفه!
لقد أصبحنا أمام ظاهرة تستحق أن نتوقف عندها بقلق شديد، فالشباب والأطفال يشاهدون هذه النماذج يوميًا، وقد يعتقدون أن هذا هو الطريق السهل للنجاح، وأن الشهرة أهم من العلم، وأن إثارة الجدل أهم من احترام الآخرين، وأن التخلي عن المبادئ يمكن أن يكون ثمنًا مقبولًا للوصول إلى الأضواء.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية، فنحن لا نخسر فقط ذوقنا العام، بل نخسر شيئًا أعمق وأخطر، نخسر تدريجيًا قيم الحياء والاحترام والصدق والمسؤولية، ونسمح لمعايير زائفة بأن تتسلل إلى عقول أبنائنا، فتجعلهم يقيسون نجاحهم بنظرات الآخرين وإعجابهم، لا بما يقدمونه لأنفسهم ولمجتمعهم.
ولا يمكن أن ننكر أن مواقع التواصل الاجتماعي تحمل فرصًا عظيمة لنشر المعرفة والثقافة والوعي، وأن هناك أشخاصًا يستخدمونها بصورة مشرفة ومفيدة. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول الشهرة من وسيلة للتأثير الإيجابي إلى غاية تبرر كل التجاوزات، وعندما يصبح التنازل عن الأخلاق هو الطريق الأقصر إلى الأضواء.
علينا أن نسأل أنفسنا بصدق: ماذا نترك لأبنائنا؟ وأي نماذج نقدم لهم؟ وكيف نطالبهم بالتمسك بالأخلاق بينما نحتفي ونصفق لمن يهدمها أمام أعيننا؟
إن المسؤولية لا تقع على صناع المحتوى وحدهم، بل تقع علينا جميعًا، على الأسرة التي تربي، والمدرسة التي تعلم، والإعلام الذي يوجه، وعلى كل شخص يضغط بإعجاب أو مشاركة ليساهم في انتشار محتوى لا يليق بمجتمعه.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لمجتمع ليس أن ينتشر فيه التفاهة، بل أن يفقد القدرة على التمييز بينها وبين القيمة، وأن يصبح الإسفاف أمرًا عاديًا، والحياء شيئًا يدعو للسخرية.
فلنتذكر أن الشهرة قد تمنح الإنسان آلاف المتابعين، لكنها لا تمنحه بالضرورة احترام الناس، وأن الترند قد يصنع نجومية عابرة، لكنه لا يصنع قيمة حقيقية. فليس كل مشهور قدوة، وليس كل من تصدر المشهد يستحق أن نتبعه.
نحن بحاجة إلى أن نعيد للأخلاق مكانتها، وأن نربي أبناءنا على أن قيمة الإنسان فيما يكونه، لا فيما يستعرضه، وفيما يقدمه للناس، لا في عدد الذين يشاهدونه. فالأضواء تنطفئ، والترند يختفي، لكن أثر الأخلاق يبقى، وكرامة الإنسان لا ينبغي أبدًا أن تكون ثمنًا للشهرة.