يوسف أيوب يكتب: لا لعسكرة البحر الأحمر.. نعم لاستقرار السودان.. ومعاً لتحقيق الأمن المائي والغذائي

السبت، 07 نوفمبر 2026 09:00 م
يوسف أيوب يكتب: لا لعسكرة البحر الأحمر.. نعم لاستقرار السودان.. ومعاً لتحقيق الأمن المائي والغذائي

رؤية مصرية واضحة للتنمية الأفريقية وحماية الأمن القومي بدعم إقامة الممرات الاستراتيجية والمناطق اللوجستية

رفض مصري لفرض النفوذ أو عسكرة الممرات البحرية أو فرض الأمر الواقع في قضايا المياه.. ودعوة لاحترام سيادة الدول

 

في كلمته أمام الجلسة العامة للقمة الروسية الأفريقية الثالثة، التي عقدت بالعاصمة الروسية موسكو الأسبوع الماضي، حدد فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي خمسة محاور رئيسية للرؤية المصرية لتحقيق التنمية في القارة الأفريقية، شملت دعم إقامة الممرات الاستراتيجية والمناطق اللوجستية، وزيادة التجارة البينية الأفريقية، وتعزيز التعاون في مجالي الطاقة والربط الكهربائي، وتحقيق الأمن المائي والغذائي ودعم التنمية الزراعية، إلى جانب تعزيز التعاون في الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي.

خمسة محاور تعكس تصور مصر لمستقبل التنمية في القارة، وتنطلق من إيمان راسخ بأن مستقبل الدولة المصرية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمستقبل أفريقيا، وأن تحقيق التنمية المستدامة يتطلب تكامل الجهود الأفريقية، وتعزيز الملكية الأفريقية لأولويات التنمية، مع التأكيد على أن الأمن والاستقرار يمثلان شرطاً أساسياً لتحقيق تطلعات شعوب القارة.

هذه المحاور ليست مجرد عناوين طرحتها مصر خلال القمة الروسية الأفريقية، وإنما تمثل امتداداً لسياسة مصرية ممتدة منذ عام 2014، تستهدف تعزيز الشراكة مع الدول الأفريقية، وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي والاستثماري، وربط مشروعات التنمية باعتبارات الأمن والاستقرار، انطلاقاً من أن التنمية لا يمكن أن تتحقق في بيئة تعاني الصراعات أو التوترات أو التدخلات الخارجية.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم التحركات المصرية ومواقف القاهرة المتكررة في مختلف المحافل الإقليمية والدولية بشأن خطورة الأوضاع في منطقة القرن الأفريقي، وأهمية الحفاظ على استقرار السودان وسيادته ووحدة أراضيه، فهذه المنطقة لا ترتبط فقط باعتبارات الأمن القومي المصري، وإنما تمثل أيضاً مدخلاً رئيسياً لاستقرار القارة الأفريقية، وأي اضطراب فيها لا تتوقف تداعياته عند حدود الدول المعنية، بل تمتد آثاره إلى محيطها الإقليمي والقارة بأكملها.

وفي هذا السياق، يأتي الموقف المصري الرافض لعسكرة البحر الأحمر أو فرض وجود عسكري على سواحله من جانب دول غير مشاطئة له، باعتبار أن حوكمة هذا الممر الملاحي الاستراتيجي يجب أن تظل مسؤولية حصرية للدول المطلة عليه، وفقاً لقواعد القانون الدولي، وبما يحفظ سيادتها ويصون أمنها ومصالح شعوبها.

وقد كان فخامة الرئيس السيسي واضحاً في رفض أي تهديدات تستهدف انتهاك سيادة دول القرن الأفريقي أو التدخل في شؤونها الداخلية، وكذلك رفض أي تحركات تستغل هشاشة الأوضاع الإقليمية لفرض وجود عسكري لدول غير مشاطئة للبحر الأحمر على سواحله، أو اتخاذ إجراءات أحادية من شأنها المساس بسيادة دول المنطقة ووحدة أراضيها.

ويتكامل هذا الموقف مع رفض مصر القاطع لأي محاولات تستهدف تقويض وحدة السودان أو المساس بسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، باعتبار أن استقرار السودان يمثل عنصراً أساسياً في منظومة الأمن الإقليمي، وأن الحفاظ على الدولة السودانية ومؤسساتها يمثل ضرورة لتجنب اتساع دائرة الصراع وتداعياته على دول الجوار، وهو ما أعاد الرئيس السيسي التأكيد عليه خلال لقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قصر الكرملين، مشدداً على ضرورة الحفاظ على السلم والاستقرار في المنطقة، من خلال احترام سيادة الدول ووحدة وسلامة أراضيها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

وفي إطار الرؤية المصرية الشاملة للأمن والتنمية في أفريقيا، تظل قضية المياه في مقدمة الأولويات، لما تمثله من قضية وجودية بالنسبة لمصر، التي تواجه ندرة شديدة في الموارد المائية وتعتمد بصورة رئيسية على نهر النيل، وقد أوضح فخامة الرئيس السيسي أمام القمة الروسية الأفريقية أن مصر تولي أهمية خاصة لتعزيز التعاون في حوكمة الأنهار العابرة للحدود، وفقاً لقواعد القانون الدولي، وفي مقدمتها مبادئ عدم الإضرار والإخطار المسبق والتشاور والتوافق، مؤكداً أن المياه العابرة للحدود يجب أن تكون جسراً للتعاون والتفاهم بين الشعوب، لا سبباً للتوتر أو النزاع.

وهذه هي السياسة المصرية المستقرة في التعامل مع دول حوض النيل، والتي تقوم على التعاون وتحقيق المصالح المشتركة، مع رفض الإجراءات الأحادية التي تمس حقوق دولتي المصب، وبما يتسق مع مبادئ القانون الدولي وأهداف التنمية والتعاون الأفريقي.

ولم يكن التأكيد المصري على هذه المبادئ منفصلاً عن التحركات الثنائية مع السودان، إذ استضافت القاهرة، عقب القمة الروسية الأفريقية، الجولة الثالثة لمشاورات آلية 2+2 لوزيري الخارجية والري في مصر والسودان، في خطوة تعكس أهمية التنسيق المشترك بين البلدين في القضايا المرتبطة بالأمن والاستقرار، وفي مقدمتها السودان وملف مياه النيل.

وخلال المشاورات، أكد الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، موقف مصر الثابت الداعم لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه والحفاظ على مؤسساته الوطنية، مشدداً على ضرورة احترام دول الجوار لسيادة السودان وأمنه، وعدم التدخل في شؤونه الداخلية، كما أكد أهمية احترام مبدأ الملكية السودانية للحل السياسي، ودعم جهود الرباعية الدولية الرامية إلى إنهاء الصراع واستعادة الأمن والاستقرار، بما يسهم في التوصل إلى تسوية سياسية شاملة تحفظ سيادة السودان وتلبي تطلعات شعبه.

وعكست نتائج الجولة الثالثة لمشاورات آلية 2+2 مستوى التنسيق بين القاهرة والخرطوم، حيث صدر إعلان مشترك أكد رفض الجانبين أي تهديد لوحدة السودان وسلامة أراضيه، والعزم على تعزيز التنسيق المشترك من أجل استعادة الاستقرار.

وفي ملف مياه النيل، شدد الجانبان على أن الأمن المائي المصري والسوداني مترابط ولا يتجزأ، واتفقا على ضرورة الدفاع عن الأمن المائي لدولتي المصب، والحفاظ على حقوقهما واستخداماتهما المائية كاملة بموجب اتفاقية 1959، وعدم السماح بأي انتقاص من تلك الحقوق.

كما أكدا أهمية الدور الذي تضطلع به الهيئة الفنية الدائمة المشتركة لمياه النيل، وفقاً لاتفاقية 1959، في دراسة وصياغة الرأي الموحد الذي تتبناه الدولتان بشأن مختلف القضايا المتعلقة بمياه النيل، مع الحرص على انتظام عمل الهيئة وتوفير الدعم الفني واللوجستي اللازم لها، بما يعزز التنسيق وتوحيد المواقف في المحافل الإقليمية والدولية المعنية بالحقوق المائية للبلدين.

وجدد الجانبان رفضهما التام لأي تحركات أحادية في حوض النيل الشرقي، وأكدا أن السد الإثيوبي، الذي تصفه الدولتان بأنه مشروع أحادي مخالف لقواعد القانون الدولي، تترتب عليه آثار جسيمة ويمثل تهديداً مستمراً لدولتي المصب، في ظل الإدارة الإثيوبية الأحادية وغياب آلية قانونية ملزمة لحوكمته، ودعا الطرفان إثيوبيا إلى تغيير نهجها الأحادي والعودة إلى مسار التعاون، وفقاً للقواعد واجبة التطبيق في القانون الدولي، وفي مقدمتها مبادئ عدم الإضرار والإخطار المسبق والتشاور والتوافق، حفاظاً على استدامة نهر النيل ومصالح الدول الثلاث.

وشدد الإعلان المشترك على أن قضية السد الإثيوبي تخص دول حوض النيل الشرقي الثلاث: مصر والسودان وإثيوبيا، رافضاً محاولات إقحام بقية دول حوض النيل في هذه القضية، مع التأكيد على العلاقات التاريخية المتميزة بين شعوب دول الحوض، ومن بينها الشعب الإثيوبي.

ولم تقتصر نتائج المشاورات المصرية السودانية على ملف المياه والسودان، بل امتدت إلى قضية أمن البحر الأحمر، حيث أكد الجانبان ضرورة احترام مبدأ حرية الملاحة، وأن حوكمة البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وفقاً لقواعد القانون الدولي، كما شددا على الرفض التام لأي نفاذ بحري لدولة غير مشاطئة للبحر الأحمر على حساب سيادة الدول المطلة عليه ووحدتها وسلامة أراضيها وموانيها، ورفضا أي محاولات لاستغلال الأوضاع الإقليمية لعسكرة البحر الأحمر أو اتخاذ إجراءات أحادية تمس سيادة دول المنطقة ووحدة أراضيها.

وهنا تتضح ملامح الرؤية المصرية التي تربط بين التنمية والأمن في القارة الأفريقية، فالممرات الاستراتيجية والمناطق اللوجستية لا يمكن أن تحقق أهدافها دون بيئة إقليمية مستقرة، والتجارة البينية تحتاج إلى طرق وموانئ وممرات آمنة، والتعاون في الطاقة والربط الكهربائي يرتبط باستقرار الدول، كما أن الأمن الغذائي والمائي لا ينفصل عن قواعد التعاون وحماية الحقوق المشتركة.

ومن ثم، فإن تحركات مصر في القرن الأفريقي، ومواقفها من السودان والبحر الأحمر، وتنسيقها مع الخرطوم بشأن مياه النيل، لا تمثل ملفات منفصلة، وإنما تتكامل في إطار رؤية أوسع لمستقبل القارة، تقوم على احترام سيادة الدول، ورفض التدخلات الخارجية، وتغليب التعاون على الصراع، وربط التنمية بالاستقرار.

ففي الرؤية المصرية، لا يمكن بناء مستقبل تنموي مستدام لأفريقيا دون حماية مقدراتها، وصون سيادة دولها، وتأمين ممراتها الاستراتيجية، وإدارة مواردها المشتركة وفق قواعد القانون الدولي، بما يجعل الأمن والاستقرار أساساً للتنمية، وليس مجرد نتيجة لها.

ومن هنا يمكن تلخيص الرؤية المصرية تجاه منطقة القرن الأفريقي، فمصر لا مصر إلى أمن البحر الأحمر، واستقرار السودان، وقضية مياه النيل، والتنمية في القارة الأفريقية باعتبارها ملفات منفصلة، بل تتعامل معها باعتبارها حلقات مترابطة في منظومة واحدة ترتبط بالأمن القومي المصري والعربي والأفريقي. فمن هذا المنطلق، تتحرك القاهرة وفق رؤية تقوم على أن استقرار المنطقة لا يتحقق بفرض النفوذ أو عسكرة الممرات البحرية، ولا بتأجيج الصراعات أو فرض الأمر الواقع في قضايا المياه، وإنما من خلال احترام سيادة الدول، وتعزيز التعاون المشترك، وتغليب الحلول السياسية، وتحقيق التنمية القائمة على المصالح المتبادلة.

وتكشف هذه التحركات المصرية عن توجه استراتيجي يستهدف حماية مقدرات المنطقة، والحفاظ على توازناتها، ومنع تحول الأزمات الإقليمية إلى بؤر تهديد ممتدة، مع التأكيد على أن التنمية والأمن وجهان لعملة واحدة، وأن مستقبل أفريقيا يرتبط بقدرة دولها على إدارة مواردها بصورة عادلة وتعاونية.

ومن هنا يمكننا فهم الإصرار المصرى على رفض محاولات عسكرة البحر الأحمر، باعتباره أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، وارتباط أمنه باستقرار الدول المطلة عليه، وبأمن التجارة الدولية وحركة الملاحة العالمية، حيث تتمسك القاهرة بأن مسئولية إدارة أمن البحر الأحمر وحوكمته يجب أن تظل مسؤولية الدول المشاطئة له، دون السماح لقوى أو دول من خارج الإقليم بفرض ترتيبات أمنية أو عسكرية تهدد سيادة دوله.

وتستند الرؤية المصرية هنا إلى أن حماية البحر الأحمر لا تكون بزيادة الوجود العسكري الأجنبي أو تحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، وإنما ببناء منظومة تعاون بين الدول المطلة عليه، تقوم على احترام السيادة الوطنية، وتعزيز قدراتها المؤسسية والأمنية، والتنسيق في مواجهة التهديدات التي تستهدف الملاحة والتجارة الدولية، لذلك فإن الطرح المصرى يقوم على مقاربة تتجاوز البعد الأمني التقليدي، لتربط بين أمن البحر الأحمر والتنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي في دوله، باعتبار أن معالجة الأزمات التي تشهدها المنطقة تتطلب دعم مؤسسات الدول الوطنية، ومنع تفككها، ورفض التدخلات الخارجية التي تزيد من حدة الصراعات.

وارتباطاً بذلك، يأتي الملف السوداني، الذى تنطلق مصر خلاله من اعتبار استقرار السودان جزءًا لا يتجزأ من أمنها القومي، وأن الحفاظ على وحدة الدولة السودانية ومؤسساتها الوطنية وسلامة أراضيها يمثل ضرورة استراتيجية لا تقتصر آثارها على الشعب السوداني وحده، بل تمتد إلى الأمن الإقليمي، ومنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وكذلك أمن وادي النيل، لذلك، تتبنى القاهرة موقفًا واضحًا يقوم على دعم مؤسسات الدولة السودانية، ورفض أي محاولات لتقسيم البلاد أو إنشاء كيانات موازية، مع التأكيد على ضرورة التوصل إلى تسوية سياسية شاملة بملكية سودانية خالصة، تحفظ مقدرات الشعب السوداني وتلبي تطلعاته في الأمن والاستقرار.

في المجمل، فإن مصر تتبنى رؤية واضحة، تقوم على أن تحقيق الأمن والاستقرار في القارة الأفريقية لا ينفصل عن التنمية، وأن مواجهة التحديات التي تعاني منها دول القارة تتطلب الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى بناء شراكات اقتصادية وتنموية مستدامة، تحقق مصالح الشعوب الأفريقية وتدعم قدرتها على استغلال مواردها وإمكاناتها، خاصة مع إيمان مصر بأن القارة تمتلك فرصًا اقتصادية كبيرة، لكنها تحتاج إلى بنية أساسية مترابطة، وشبكات نقل واتصال حديثة، واستثمارات قادرة على تحويل الموارد الطبيعية والبشرية إلى مشروعات إنتاجية وفرص عمل، بدلًا من استمرار اعتماد الاقتصادات الأفريقية على تصدير المواد الخام، وهو ما يحتاج إلى تشجيع الشركات الأفريقية خاصة المصرية على توسيع استثماراتها وشراكاتها في الدول الأفريقية، ودعم مشروعات البنية التحتية والطاقة والزراعة، مع السعي إلى تعزيز التكامل الاقتصادي والتجاري بين دول القارة، بما يفتح أسواقًا جديدة أمام المنتجات الأفريقية ويزيد من قدرتها التنافسية.

 

فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي

مصر وأفريقيا

الرؤية المصرية للتنمية الأفريقية

الأمن القومي المصري

القمة الروسية الأفريقية الثالثة

القمة الروسية الأفريقية

فلاديمير بوتين

القرن الأفريقي

البحر الأحمر

أمن البحر الأحمر

عسكرة البحر الأحمر

الدول المشاطئة للبحر الأحمر

الملاحة الدولية

الممرات الاستراتيجية

المناطق اللوجستية

التجارة البينية الأفريقية

التكامل الاقتصادي الأفريقي

السودان

وحدة السودان

الأزمة السودانية

العلاقات المصرية السودانية

بدر عبد العاطي

آلية 22

وزراء الخارجية والري

مياه النيل

الأمن المائي المصري

الأمن المائي السوداني

السد الإثيوبي

سد النهضة

دول المصب

اتفاقية مياه النيل 1959

الهيئة الفنية الدائمة المشتركة لمياه النيل

حوض النيل الشرقي

إثيوبيا

السيادة الوطنية

القانون الدولي

عدم التدخل في الشؤون الداخلية

الأمن الغذائي

التنمية الزراعية

الربط الكهربائي

الطاقة في أفريقيا

الذكاء الاصطناعي

التنمية المستدامة

الاستثمارات المصرية في أفريقيا

الاستقرار الإقليمي

العلاقات المصرية الأفريقية

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق