وسيم السيسى يستعرض إنجازات الطبيب المصري القديم خلال مؤتمر كلية طب القوات المسلحة
الأحد، 08 نوفمبر 2026 03:13 م
استعرض الدكتور وسيم السيسي، جانبًا من الإنجازات الطبية والحضارية التي حققها المصري القديم، مؤكدًا أن مصر كانت صاحبة إسهامات رائدة في تأسيس العديد من العلوم الطبية والجراحية، وأن عددًا من الممارسات الطبية التي عرفها المصريون القدماء لا يزال العالم يستفيد منها حتى اليوم.
جاء ذلك خلال كلمة الدكتور وسيم السيسي ضمن فعاليات المؤتمر الطبي الثالث لكلية الطب بالقوات المسلحة، بحضور فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث قدم عرضًا تاريخيًا تناول فيه تطور الطب في مصر القديمة، مستندًا إلى البرديات والجداريات والآثار والأدوات الجراحية التي تكشف عن مدى تقدم المعرفة الطبية لدى المصريين القدماء.
واستهل السيسي حديثه بالإشارة إلى مكانة مصر القديمة في تاريخ العلوم، مستشهدًا بما أورده عدد من الشخصيات والباحثين عن تأثر الحضارات الأخرى بالمعرفة المصرية، ومن بينهم أفلاطون وهوميروس والباحث في علم المصريات وارين داوسون.
وسلط الضوء على شخصية إيمحوتب، الذي يعني اسمه «القادم في سلام»، مشيرًا إلى مكانته بوصفه أحد أقدم الرموز الطبية المعروفة في التاريخ، واستعرض ما نُسب إليه من وصف للنبض باعتباره تعبيرًا عن نشاط القلب في الأوعية الدموية الطرفية.
وأشار إلى أن الطبيب البريطاني جاميسون هاري دعا إلى اتخاذ إيمحوتب رمزًا لمهنة الطب بدلًا من أبقراط، تقديرًا لمكانته التاريخية وإسهاماته المبكرة في المعرفة الطبية.
وأوضح أن أبرز مصادر التعرف على الطب في مصر القديمة تتمثل في البرديات الطبية والجداريات والأدوات الجراحية، مشيرًا إلى وجود عدد من البرديات التي وثقت المعارف الطبية المصرية، من بينها بردية إدوين سميث، وبردية إيبرز، وبردية برلين، وبردية هيرست، وبردية تشستر بيتي.
كما استعرض الرسوم والنقوش التي توثق الأدوات الجراحية القديمة، ومن بينها الأدوات المحفورة على جدران معبد كوم أمبو، والتي تكشف عن تنوع الأدوات المستخدمة في الممارسات الطبية والجراحية.
وفيما يتعلق بعلاج الجروح، تناول السيسي ما وصفه بالتقدم المبكر للمصريين القدماء في استخدام الخيوط الجراحية، مشيرًا إلى استخدام خيوط الكاتجوت المستخلصة من الأمعاء، إلى جانب خيوط الكتان لخياطة الجلد.
وأضاف أن المصري القديم استخدم العسل في التعامل مع الجروح، لما يمتلكه من خصائص تساعد على الحد من نمو البكتيريا، كما أشار إلى استخدام مواد أخرى، من بينها لباب خبز الشعير المتعفن.
واستشهد بالدراسات التي أجراها الدكتور بول غليونجي والأستاذ الدكتور أحمد عمار حول هذا العفن، والتي تناولت وجود عفن البنسلين، في سياق حديثه عن قدم المعرفة المصرية بوسائل مكافحة العدوى وعلاج الجروح.
واستعرض السيسي أدلة على إجراء المصري القديم عمليات التربنة، وهي فتح ثقوب في الجمجمة لأغراض علاجية، موضحًا أن التئام حواف العظام وظهور علامات نمو العظم حول الفتحة يشيران إلى بقاء بعض المرضى على قيد الحياة بعد إجراء العملية.
وأشار إلى دراسة مقارنة أجراها البروفيسور بيتر هاتشينسون، أستاذ جراحة المخ والأعصاب بمستشفى أديبروك في كامبريدج، تناولت أساليب التعامل مع إصابات الرأس، ومقارنة الطريقة التقليدية المستخدمة في إنجلترا بأسلوب يعتمد على إجراء فتحات بالجمجمة لتخفيف الضغط الناتج عن تجمع الدم.
وأوضح أن الدراسة، وفقًا لما عرضه، أظهرت تحسنًا في نتائج إنقاذ المصابين بنسبة 20% لصالح الأسلوب الذي استعرضه، مستشهدًا بتناول صحيفة «ديلي ميل» البريطانية لهذه النتائج والإشارة إلى أهمية الممارسات الطبية المصرية القديمة.
وتطرق السيسي إلى استخدام المصريين القدماء لمركبات الأنتيمون في العلاج، مستعرضًا تاريخ التعامل مع الأمراض التي ارتبطت بالبلهارسيا ومضاعفاتها الصحية، ومن بينها فيروس الالتهاب الكبدي الوبائي سي.
ووجه التحية لفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي تقديرًا لجهود الدولة المصرية في القضاء على فيروس سي من خلال المبادرات الصحية والعلاج بعقار «سوفالدي»، مشيرًا إلى امتداد جهود العلاج لتشمل بعض الدول الإفريقية، وهو ما قوبل بتصفيق الحضور.
وفي محور آخر، كشف السيسي عن شواهد أثرية تشير إلى معرفة المصري القديم بتقنيات متقدمة في جراحة العظام، مستعرضًا مومياء محفوظة بالمتحف البريطاني كشفت الفحوص التصويرية لها عن وجود مسمار حلزوني لتثبيت مفصل الركبة.
كما عرض نموذجًا لطرف صناعي قديم صُنع لسيدة تعرضت لبتر في القدم، معتبرًا ذلك دليلًا على اهتمام المصريين القدماء بتعويض المصابين ومساعدتهم على استعادة القدرة على الحركة.
وربط هذه الإنجازات باهتمام الدولة المصرية الحالي بالأشخاص ذوي الإعاقة وتطوير الخدمات المقدمة لهم.
وفي مجال طب العيون، أكد السيسي أن المصريين القدماء حققوا تقدمًا ملحوظًا في تشخيص وعلاج أمراض العيون، مشيرًا إلى أن الملك الفارسي كورش طلب الاستعانة بأطباء مصريين لإجراء عملية لعلاج المياه البيضاء عام 550 قبل الميلاد، وفقًا لما أورده في كلمته.
كما تناول دلالات رمز العين في الثقافة المصرية القديمة، وعلاقته بالعلامة الطبية المستخدمة في الروشتات الطبية، إلى جانب معرفة المصريين بصناعة العيون الزجاجية لأغراض تجميلية وتعويضية.
وانتقل السيسي إلى الحديث عن طب الأسنان، مستعرضًا شخصية «حسي رع»، الذي يُعد من أقدم الشخصيات المعروفة في تاريخ طب الأسنان خلال الأسرة المصرية الثالثة.
وأوضح أن المصريين القدماء استخدموا أسلاك الذهب لتثبيت الأسنان المتحركة، كما أشار إلى شواهد تاريخية على محاولات زراعة الأسنان، وتناول ما ورد بشأن استخدام مواد طبيعية في حشو الأسنان وعلاج التسوس، من بينها العسل والصمغ العربي وكبريتات النحاس، مؤكدًا أن هذه الممارسات تعكس تطور المعرفة المصرية القديمة في مجال طب الأسنان.
كما أشار إلى أن المصريين القدماء امتلكوا معرفة بأمراض القلب وأعراضها، وأن النصوص الطبية القديمة تضمنت إشارات إلى خطورة بعض الحالات القلبية، بما يعكس إدراكهم المبكر لأهمية القلب في حياة الإنسان.
واختتم الدكتور وسيم السيسي كلمته باستحضار مقولة عالم المصريات الفرنسي جان فرانسوا شامبليون، الذي فك رموز الكتابة الهيروغليفية، والتي عبّر فيها عن عظمة الحضارة المصرية القديمة بقوله إن الخيال يعجز ويسقط بلا حراك أمام أقدام هذه الحضارة.
كما استشهد بأبيات أمير الشعراء أحمد شوقي التي تتغنى بعظمة البناء المصري وخلود حضارته: «وبَنَيْنَا فَلَمْ نُخَلِّ لِبَانٍ وَعَلَوْنَا فَلَمْ يَجُزْنَا عَلَاءُ»
«قُلْ لِبَانٍ بَنَى فَشَادَ فَغَالَى لَمْ يَجُزْ مِصْرَ فِي الزَّمَانِ بِنَاءُ».