المؤشر العالمى للعبودية يفضح تجار الرقيق فى الصعيد.. 5 محافظات تقتنى 66 ألف «عبد» فى القرن الـ 21.. رقيق أسيوط قرن ونصف من الصمت.. سوهاج «العبيد» قوة للعائلات.. وأسوان العبودية مقابل السكن والطعام

الخميس، 24 مارس 2016 06:04 م
المؤشر العالمى للعبودية يفضح تجار الرقيق فى الصعيد.. 5 محافظات تقتنى 66 ألف «عبد» فى القرن الـ 21.. رقيق أسيوط قرن ونصف من الصمت.. سوهاج «العبيد» قوة للعائلات.. وأسوان العبودية مقابل السكن والطعام
هشام صلاح

مآسي رهيبة تحدث يوميًّا عندما يستيقظ «عبد» على صوت سيدة فى أقاصى الصعيد وأدنى الدلتا فى القرن الـ 21، فقد كشف المؤشر العالمى للعبودية مؤخرًا أن عدد العبيد في مصر يتراوح بين 66 ألف و73 ألف، وهو ما يعنى أن عالم العبيد لا يزال قائما في عدد من محافظات مصر، خاصة في أسيوط وسوهاج وقنا وفى أجزاء من أسوان وتقل تماما في المنيا، بينما لا تعرف محافظات الوجه البحري ظاهرة العبيد باستثناء بعض مدن الشرقية، بالمناطق التي تقطنها قبائل وعائلات تنحدر من أصول عربية.

ويبقى ذكرهم فقط فى مسلسلات رمضان التاريخية، وهذا كله لا يسقط حقيقة انتشار ظاهرة العبودية المكبوته فى بعض محافظات مصر، وإن بدأت الظاهرة فى الانحسار فى باقى محافظات الصعيد، بسبب قسوة بعض العائلات وهروب بعض العبيد نتيجة ذلك إلى العاصمة.. ويرصد التقرير التالى جوانب الظاهرة.

-«رقيق أسيوط».. أحباش صامتون منذ قرن ونصف

لا تخلو معظم مراكز أسيوط من عائلات لديها عبيد، ويتركز وجود هذه العائلات في مراكز البداري وصدفا وأبنوب وساحل سليم والغنائم وديروط، ومن أشهر هذه العائلات علي سبيل المثال عائلة «النواصر» في البدارى وهى عائلة زعيم الوفد الراحل ممتاز نصار، وعائلة «خشبة»، و«أولاد قنديل» في الغنائم، و«أولاد على الكاشف» بصدفا و«خليفة» و«الشنايفة» في أبو تيج و«القرشية» و«كيلاني» بديروط و«الباشا» بساحل سليم.

قديما كانت أسيوط معبرا مهما للقوافل التجارية القادمة من قلب أفريقيا، وكانت أسيوط بمثابة «ترانزيت» للقوافل المستمرة على مدار العام، لذا ارتبطت المحافظة ارتباطا وثيقا بتجارة العبيد الأفارقة الذين جلبتهم القوافل التجارية من بلادهم لبيعهم فى دول أخرى، ولذلك تأسست وكالات الرق فى القرون الوسطى بأسيوط لتسهيل التجارة فى العبيد، ومازالت هذه الوكالات أو بقاياها بمعنى أدق موجودة حتى الآن كأثر تاريخى من أهم معالم أسيوط.

وفى منتصف القرن التاسع عشر صدر فرمان من الخديوى إسماعيل بتحريم تجارة الرق ومنعها فى ربوع مصر، وتسبب هذا الفرمان فى صدمة لدى المجتمع المصرى آنذاك، وحاولت العائلات الكبيرة التى تمتلك عبيدًا التصدى لهذا الفرمان والتحايل عليه.

لم يستجيب العبيد لهذا الفرمان، وخافوا من التشرد والبطالة فى حال تركوا منازل العائلات الكبرى، فقرروا البقاء بنفس الوضع، لحين إشعار آخر، مع توقف حركة بيع وشراء الرق تماما، وظلت العائلات الكبرى فى صعيد مصر تتوارث العبيد على مدار قرن ونصف القرن فى هدوء شديد ودون صخب كى لا يصطدموا بالقوانين.

العبيد الموجودون الأن فى أسيوط لا يمكن حصر أعدادهم، خصوصا فى ظل عدم اعتراف الدولة بوجود هذه الظاهرة حتى الآن، لكن الأعداد أصبحت قليلة جدا، بضعة مئات على أقصى تقدير، ومعظمهم تخطوا الخمسين عاما، أما الأبناء فقرروا التخلى عن هذا الإرث المكروه بالنزوح إلى العاصمة والمدن الكبرى فى محاولة لمحو آثار الماضى.

«عبيد» قرى أسيوط لهم نفس الصفات الجسمية لأجدادهم فمعظمهم أسمر اللون ما عدا العبيد الذين تزوج آباؤهم من فلاحات، ويتسم هؤلاء العبيد بالضخامة والقوة الجسمانية والقدرة على تحمل العمل الشاق وغيرها من سمات أبناء مناطق أفريقيا والحبشة كما اشتهروا بطول العمر حيث يكثر بينهم المعمرون خاصة بين النساء.

أكثر من مهنة يمتهنها العبد فى أسيوط، فهو حارس ومزارع وحمال وخادم ويصنع المشروبات ويشترى الخضار من الأسواق، وكل ذلك بلا راتب أو أجر شهرى تقريبا، ويتحمل فوق ذلك إهانات لا تتوقف، ولعنات مستمرة، وعنفًا قد يؤدى لكدمات فى جسده.

المشكلة أن أبناء العبيد يذهبون للمدارس الحكومية المجانية إجباريا وغير مسموح لهم بالذهاب للمدارس الخاصة التى يذهب إليها أبناء العائلات الكبرى حتى لو كان العبد ميسور الحال ويستطيع دفع المصاريف الدراسية كاملة، وذلك لأن الأسياد يرفضون اختلاط أبنائهم بأبناء العبيد.

-«رقيق سوهاج».. قوة للعائلات

العبيد منتشرون فى معظم قرى ومراكز سوهاج، فى مناطق العسيرات والعرابة وجرجا والبلينا وطما، وأشهرها عائلات «أبو ستيت» في البلينا و«أبو كردوس» في طما وعائلات «دنقل» و«أولاد سلامة» بالعرابة وغيرها من العائلات التي يجمعها قاسم مشترك هو العراقة، حيث تضرب معظم هذه العائلات بجذور عميقة تعود لقرون ماضية كانت تمتلك فيها العبيد بشكل قانوني، وقت أن كانت العبودية واقعا اجتماعيا تجيزه الأعراف والقوانين والشرائع قبل صدور التشريعات والقوانين الدولية التي ألغت ظاهرة الرقيق وحرمت تجارتها.

تنحدر أصول عبيد سوهاج من الحبشة وجنوب السودان وأواسط أفريقيا، ويفضل العبد فى سوهاج، الذى ينتمى لأصول حبشية، أن يموت ولا يُمس سيده سوء؛ فهو يرى أن من الشرف الموت من أجل الدفاع عن السادة وصد العدوان عليهم.

تبدأ النزاعات والخلافات بين العائلات إذا تعرَّض أحد أفراد عائلة أو أحد عبيدها لسوء، حينها يشترك العبيد مع سادتهم فى المعارك، لتثبت كل عائلة قدرتها على القتال وتظهر قوتها أمام العائلة الأخرى.

«رقيق أسوان».. العمل مقابل السكن

كما تعد قرى النوبة وهى قري بالغة القدم ويعود تاريخها إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام، من أكثر القرى التى بها عدد من العائلات أعرقها عائلة الهلايل التي ما زال تمتلك عبيد.

والعلاقة بين العبيد والسادة فى أسوان تنظمها أعراف وتقاليد اجتماعية راسخة أهمها أن هؤلاء العبيد يعملون لدى أسيادهم في مقابل السكن والطعام فقط ولا يحصلون على أي مقابل مادي، كما لا يحق لهم الزواج دون إذن أسيادهم الذين يختارون لهم الزوجة أو الزوج المناسب من وجهة نظرهم ولا يملك العبد حق الاختيار.

كما لا يجرؤ على النظر لفتيات العائلات ولا يحق له الارتباط بهن فلا يتزوج إلا أمة مثله سواء من نفس البلد أو من بلد أخرى، ومن يخالف تلك القوانين ويتزوج في السر دون علم سيده وينكشف أمره يضطر للإنفصال، كما أن جزاء التمرد ورفض الطاعة العمياء للأوامر قد يكون القتل وفي أرأف الأحوال النفي التام من البلدة.

-«رقيق قنا».. استعراض عضلات

يشترك العبيد فى محافظة قنا مع سادتهم في معاركهم مع العائلات الأخرى فيقومون بالدفاع عنهم ضد أي اعتداء، لذلك تحرص العائلات على تسليح عبيدها بالأسلحة المختلفة تأكيدا على قوتها ونفوذها وتحسبا للصراعات التي قد تحدث مع العائلات الأخرى، ويكون ذلك أحيانا من باب الوجاهة الاجتماعية والرغبة في إظهار القوة وإثبات النفوذ.

-«رقيق الشرقية».. امتيازات ومصاعب

وفى الشرقية تتشابه العادات والأعراف الاجتماعية الخاصة بالعلاقة بين بالعبيد والسادة مع مثيلاتها في الصعيد، فيقوم العبيد على خدمة سادتهم في رحلات الصيد والقنص وفى تربية الصقور والخيل إذ لهم خبرة واسعة في ذلك، كما لهم خبرات أخرى في الفنون البدوية المعروفة عند القبائل العربية مثل رقصة «الربدة» و«كف العرب» في الأفراح، حيث ترقص فيها العبدة ويطلق عليها اسم «الحجالة»، كما تقوم العبدات من كبار السن بالعمل كمربيات لأبناء وبنات العائلة ويطلق عليها «حنٌى» وهو لفظ يقال أنه مأخوذ من اللفظ التركي «أنٌا» الذي يؤدى نفس المعنى، ويقال أنه مأخوذ من «الحنان» و«الحنية» حيث تشتهر نساء العبيد بالحنية على الأبناء والتضحية والبذل والقدرة على تربية الأبناء وتنشئتهم.

وأحيانا ما تملك بعض العائلات كالطحاوية بقرية جزيرة سعود في الشرقية عبيدها بعض الأراضي بل وقد يوصى بعض الأغنياء من أبناء العائلات ببعض أرضه لعبيده خاصة المقربين منه والمحببين إليه.

يطلق الأهالى علي العبيد لقب «الجماعة السمر» أو«الحبة السمراء»، ويفضلون لقب «الجماعة السمر» عن كلمة عبيد، حتى لا يفهم أى أحد أنهم في استعباد.

العبيد فى الشرقية راضون بوضعهم ويرونه أفضل من الفلاحين، حيث أن الفلاح الأبيض يغير من السمر لأن لديهم امتيازات ليست لأحد آخر سواهم، فالمعاملة تغيرت عن أيام زمان، فأجدادهم وآباؤهم كانوا يجدون قسوة في التعامل من سادتهم، ولكن الأوضاع تحسنت بعد ذلك كثيرا.

-عبيد أحرار

أصول عبيد الشرقية تنحدر من قرية «الحليلة» بالسودان، وجاء إلى المحافظة كثير من السودانيين والأحباش، أيام محمد علي، وفتوحات إبراهيم باشا، فجاءوا مصر وبالتحديد مع عرب الطحاوية الذين كانوا يحاربون في جيش إبراهيم باشا، وأصبح هؤلاء السودانيين والأحباش عبيدا، ولكنهم تحرروا منذ فترة كبيرة، ولكن تبقى تبعيتهم لعائلات العرب، فهم أحرار، ولم يعد أى أحد يقول لأحد يا سيدي، ولكن بقت الكثير من الطقوس والعادات والتقاليد، ومنها أن الأسود لا يتزوج من العرب، فهم يرفضون تزويج بناتهن لشباب الجماعة السمر أو الفلاحين الذين يعيشون معهم في البلد، أو العكس، ولكن لو أحد السمر أو الفلاحين أحب بنتا من العرب فمن الممكن أن يهربا.

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق