إخوان تونس..تاريخ من الصدام مع مؤسسات الدولة.. والأكثر استفادة من الفوضى الخلاقة.. تمردوا على إرشاد مصر للإفلات من نفس مصيره
الأحد، 30 أكتوبر 2016 04:55 م
حين وصل الإسلاميون إلى تونس في الثمانينات، كان المجتمع يعاني اضطراب هوية، حيث اللغة المفرنسة وعادات عربية غير مطبقة، تسببت هذه الوضعية في ردة فعل عكسية رأت في الدين المنقذ، وهنا ظهر الفكر السياسي الديني متجسدًا في حركة عرفت وقتها بـ«حركة الاتجاه الإسلامي».
وعرّفت هذه الحركة نفسها ككيان ديني يسعى لوضع حد لخطر التغريب الذي ينال من هوية الدولة، لذا وضعت ضمن أهدافها تأصيل الهوية العربية الإسلامية في المجتمع التونسي، وتعارض هذا الاتجاه مع إعلان الحبيب بورقيبة سنة 1945، قبل إعلان الاستقلال عن نيته بإقامة حكم لا ديني للبلاد، وعلى هذا اتخذ «بورقيبة» إجراءات لا تتفق مع الميول الدينية منها إلغاء التعليم الديني، وإلغاء التعامل بالتقويم الهجري، وتتبع ذلك قرارات من شأنها تحجيم دور المساجد، الأمر الذي جعل أفكار الحركة الإخوانية تجد قبولًا لدى من استفزتهم قرارات الدولة التونسية.
واستمرت الأوضاع في صراع بين الحركة والدولة إلى أن تم التحول إلى حزب حمل اسم «النهضة»، وتركت له السلطة مساحة من الحركة لمحاربة التيارات اليسارية به، مقابل اشتراطه في بيانه التأسيسي بالديمقراطية وتداول السلطة.
وسُمح للحزب بإصدار مجلة ناطقة باسمه حملت اسم «المعرفة»، إلا أن حالة التوافق تلك لم تستمر وانقلبت الدولة التونسية على قيادات الإخوان، وعلى رأسهم مؤسسها راشد الغنوشي وذلك بعد عقدهم مؤتمرهم الثاني بشكل سري في شهر أغسطس 1979 في سوسة، واتهام الحركة بالتحضير لانقلاب عسكري على السلطة.
وفي سنة 1981 فتحت أبواب السجون لإخوان تونس، وتم القبض على حوالي 200 منهم، فيما تم إطلاق سراح بعضهم في 1984 مع حرمانهم من الوظائف الحكومية ومنع صحفهم من العمل، وإلغاء دروسهم في المساجد، في 1986 أعلن «بورقيبة» بشكل صريح أنه سيكرس العشر سنوات القادمة من حياته لمحاربة الاتجاه الإسلامي، ليعود رجال الإخوان إلى السجون مجددًا.
بعد وصول «بن علي» إلى السلطة وإفراجه عن معظم قيادات الحركة بمن فيهم الشيخ راشد الغنوشي، قامت الحركة بتأييد النظام الجديد والتوقيع على وثيقة الميثاق الوطني التي وضعها بن علي، وبعد رفض النظام السماح بإعلان الحركة كحزب علني غادر الغنوشي البلاد إلى ليبيا فالسودان وبعد ذلك إلى لندن، في رحلة نفي اضطراري استمرت حوالي 22 سنة.
وبداية من 1990 اصطدمت الحركة بعنف مع السلطة، وبلغت المواجهة أوجها أثناء أزمة حرب الخليج، ففي مايو1991 أعلنت الحكومة إبطال مؤامرة لقلب نظام الحكم واغتيال الرئيس بن علي، وشنت الأجهزة الأمنية حملة شديدة على أعضاء الحركة ومؤيديها وبلغ عدد الموقوفين حسب بعض المصادر 8000 شخص.
سيد قطب يبهر «الغنوشي»
لاقى خطاب سيد قطب، منظر العنف الإخواني، رواج في تونس لا يقل عن خطاب حسن البنا مؤسس الجماعة، فيقول راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة عن تجربته مع قطب، «كنا ننظر لسيد قطب، البنا، المودودي، هؤلاء شيوخنا، لأنهم حملوا اللواء لواء الإصلاح الإسلامي، ولكن ما الذي يجعلنا نحترم رموز الموروث الديني الموجودين في بلادنا؟ أنا أقرأ الظلال، ولكن ما الذي يجعلني أقرأ التحرير والتنوير؟ لم أكن أبحث عن العلم كعلم، المكتبات مملوءة بالعلوم الدينية، كنت أبحث عن رمز، عن أداة نضالية، عن شخص أقتدي به كمُصلح يخوض المعركة ضد العلمنة وضد الفساد، ويضيف «كنت أقرأ وأكاد أحفظ عن ظهر قلب الظلال لأنه عندما أقرؤه كان يملأني حماسًا، كنت أشعر بأنه يعطيني نظارات أنظر بها إلى هذا العالم، وأحلل به الواقع العالمي، ولكن ماذا يعطيني التحرير والتنوير غير ما يعطيني إياه الرازي وابن كثير؟ يعطيني مادة لغوية، يعطيني رؤية عن إسلام ليس هو الذي أعيشه، هذا قرآن معلق وليس قرآنًا يمشي على الأرض».
بيعة رجال «الغنوشي» لـ«الهضيبي»
تعود العلاقة التنظيمية والفكرية بين حركة «النهضة» التونسية وجماعة الإخوان في مصر إلى سنوات التأسيس الأولى، حين كانت تسمى الجماعة الإسلامية، ففي موسم الحج سنة 1973 توجه أحد قادة الجماعة، وبايع المرشد العام لجماعة الإخوان وكان حسن الهضيبي آنذاك.
ويري باحثون أن العلاقات التنظيمية بين التنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين وحركة «النهضة» التونسية، هي «علاقة فرع بالأصل وقد سبقتها علاقات فكرية ومنهجية متينة، حيث لم تقلد النهضة في تونس الأدبيات النظرية الدينية للتنظيم الدولي للإخوان فحسب ولم تعتمد فحسب على أساليب مخطط تكوين الفرد والجماعة ونظام الأسرة المعتمد، ولكنها اعتمدت كذلك كل وسائل التنظيم الدولي في التمكين والوصولية والاندساس في أجهزة الدولة ومكونات المجتمع المدني والجامعات، فقد كان نفس الأسلوب متبعًا تقريبًا في الجامعات المصرية والتونسية وفي أجهزة الدولة والإدارات، كانت كلمة السر في كل من تونس والقاهرة وعواصم عربية أخرى ينتشر فيها الإخوان هي الاندساس في شرايين الدولة».
«الغنوشي» ينفي علاقة حزبه بالجماعة
رغم العلاقة الواضحة الرابطة بين كلًا من فرع إخوان تونس والتنظيم الدولي للجماعة، إلا أن الفرع التونسي اجرى مراجعات جعلته ينفي اعتماد فكره على المنهج الإخواني، للدرجة التي تجد فيها «الغنوشي» صاحب الجولات الإخواني يردد في الإعلام إنه لا علاقة بين الإخوان وحزب النهضة.
وزادت حملة النفي بعد الإطاحة بالإخوان من مصر، إذ فهم المرتبطين بها فكريًا إن انتكاساتها ستصلهم في بلدانهم، لذا حاول كل فرع نفي علاقته بالتنظيم الأم وكان أبرزهم إخوان تونس.
ولم يتوقف دورهم عند هذا الحد، بل خرج «الغنوشي» في وسائل الإعلام ناصحًا للإخوان ومطالبهم بمراجعات تشبه مراجعات حزبه، وتعمد بهذه النصائح أن ينفي بشكل غير مباشر أي صلة له بالإخوان، إذ حاول تصدير صورة إن الجماعة تحمل فكر رجعي وعليها الاقتداء بالتجربة التونسية.