العمائم تحاكم «مولانا» (تقرير)

الأربعاء، 04 يناير 2017 07:48 م
العمائم تحاكم «مولانا» (تقرير)
فيلم «مولانا» يثير أزمة في الأوساط الدينية
حسن الخطيب

أثار فيلم «مولانا» جدلًا كبيرًا بين الأوساط الدينية، خاصة الأزهرية، الذين اعتبروه تجاوز الخطوط الحمراء، وأن الرموز الدينية متمثلة في أئمة المساجد، لا يجب أن يتم تناولها بهذا الشكل الذي يُظهر العالم الأزهري في صورة نمطية مهلهلة؛ حيث إن لعلماء الدين قامات لها مكانتها في المجتمع، والزي الأزهري له احترامه ووقاره.

على الجانب الآخر، يرى النقاد والمثقفون أن الفيلم إبداع بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ حيث فتح الأبواب المغلقة في الأوساط الدينية التي ظلت منغلقة على نفسها، مؤكدين أن الأعمال السينمائية لها أحقية تناول وتجسيد المشاكل المجتمعية، وأنه بالمثل يحق تجسيد الشخصية الدينية في الأعمال الدرامية كما الرموز الوطنية، مؤكدين أن علماء الدين ليسوا أنبياءً حتى يُحرّم تجسيدهم.

تدور أحداث فيلم «مولانا» حول قصة عالم أزهري شاب يعمل إمامًا بأحد المساجد الحكومية، ويتحول في أيام معدودة من إمام إلى داعية تليفزيوني شهير يملك حق الفتوى والوعظ والتحدث باسم الدين ويصبح له مريدين وأتباع ومحبين بالملايين، معجبين بجرأته ومحاولاته للخروج عن مألوف الحديث الديني السائد في المجتمع؛ حيث تكون فتاوى هذا العالم متأثرة بفكر التشدد السلفي، ويجد بطل الفيلم المسمى بـ «الشيخ حاتم» نفسه في شبكة من الصراعات، بين صراعات مجتمعية متمثلة في إغراءات العنصر النسائي، وصراعات أمنية، وتسعى مؤسسات أمنية للسيطرة على الشيخ وتوريطه واستغلاله وتوجيهه لتحقيق أهدافها، وصراعات سياسية، بين قيادات سياسية عليا تسعى لاستقطابه بهدف توظيفه في حل مشاكل أسرية، وينتهي الفيلم بحيرة العالم الأزهري، الذي وجد نفسه محاطًا بصراعات عديدة حتى تضطره وتدفعه إلى فكرة الهروب من المجتمع وأعباء الحياة ويتمنى أن يعود كما كان إمامًا بأحد المساجد.

جدل آخر طرحة الفيلم، وهو تجسيد العلماء، فيرى علماء الأزهر أن تجسيد قامات ورموز الأزهر أمر يتنافى مع احترام المقدسات الدينية، التي يجب إظهارها بصورة غير مجروحة، فهي قامات ورموز دينية لا يجب أن تظهر بهذه الصورة المشوهة، مستدلين بالمقولة الشهيرة «لحوم العلماء مسمومة».

في المقابل، يرى النقاد في مسألة تجسيد العلماء والشخصيات الدينية والوطنية أمرًا طبيعيًا، فقد سبق وأن تم تجسيد الشيخ محمد متولي الشعراوي في عمل درامي، وهناك عدد من شيوخ الأزهر السابقين كانت لهم أعمال درامية جسدتهم، موضحين أن هذا العمل الدرامي لا يتناول شخص بعينه، وإنما يظهر مشكلة مجتمعية عانى ولا يزال يعاني منها المجتمع الإسلامي كافة، مشددين على أن علماء الأزهر ليسوا أنبياءً حتى يحرم تجسيدهم.

الفيلم الذي يجسد شخصية «عالم الدين» أثار موجة غضب عارمة بين الأوساط الأزهرية، منذ اليوم الأول لإعلان تنفيذه مطابقة لرواية الكاتب الصحفي إبراهيم عيسى، المعروف بنقده اللاذع لعلماء الدين، مما حدا ببعض أساتذة جامعة الأزهر بتقديم مذكرة للرقابة بشأن الفيلم؛ لمنع تنفيذه وعرضه على وسائل الإعلام، ووصف الفيلم بأنه «عمل خبيث» يشوه العلماء والزي الأزهري، ويحارب الدين، ويتعمد إظهار الأزهر بما لا يليق.

قال الدكتور محمود مهنا، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، لبوابة «صوت الأمة»، إنه لا يوافق على أي أعمال درامية تظهر علماء الدين بصورة مشوهة، وبأنهم يلهثون خلف المغريات، ويتركون ميدان الدعوة الدينية، أو الأعمال التي تشوه مرجعية الإسلام الأولى «الأزهر الشريف»، مؤكدًا أنه لا يمانع من وجود أعمال سينمائية تجسد قامات وعلماء الأزهر الشريف بصورة طيبة تظهر حقيقة علمهم وقاماتهم الدينية، كتجسيد سيرة الراحل الدكتور جاد الحق شيخ الأزهر الراحل، أو الشيخ عبد الحليم محمود وزير الأوقاف الأسبق، تتناول سيرتهم الحياتية.

وأضاف عضو هيئة كبار العلماء، «لم نمنع في الأزهر الشريف حق تجسيد العلماء، كالأنبياء فحاشانا الله تعالى عن ذلك، ولكن نرحب بأي عمل يظهر الصورة الطيبة لعلماء الأزهر، وتعكس مدى احترام المجتمع لهم، ومكانتهم لدى الناس، فبدلا من التركيز على السلبيات، نركز على الإيجابيات للعلماء»، مبينًا أنه يستحيل أن يتأثر عالم الأزهر بغير الفكر الأزهري الوسطي الصحيح، لأن علماء الأزهر يعرفون منهج الإسلام الوسطي، ويدرسونه بين أروقة جامعته طوال فترة حياتهم الأولى، ليستقوا علمًا صحيحًا دون تشدد.

على الجانب الآخر، قال المخرج مجدي أحمد علي، مخرج «مولانا»، ردًا منه على انتقاد الفيلم، لبوابة «صوت الأمة» إن العمل حصل على موافقة الأزهر على العرض، من قِبل مجمع البحوث الإسلامية، والرقابة على المصنفات الفنية أيضًا، وإذا كان هذا العمل على غير هدى، أو يتجاوز الخطوط الحمراء كما يصفه البعض، أو يسيء إلى رمز ديني أو إسلامي لما حصل على هذه الموافقات، مبينًا أن ما يجسده الفيلم ليس شخصًا بعينه أو علمًا من أعلام الأزهر، إنما يتناول الفيلم مشكلة مجتمعية وسياسية في نفس الوقت، ولنا من العهد السابق أدلة وشواهد، فكم من داعية ديني ترك مهام العمل في الدعوة واتجه إلى شاشات الفضائيات، وصفحات الجرائد، ومواقع التواصل، متأثرًا بالفكر السلفي والأفكار الأخرى، منوهًا إلى أن الفيلم يرصد المفاهيم الخاطئة عن الدين وعن الأزهر.

من جانبه، قال الدكتور علي محمد، الأستاذ بجامعة الأزهر، الذي تقدم بتقرير حول منع عرض الفيلم، لبوابة «صوت الأمة» إن سبب تقدمه بالمذكرة لمنع عرض الفيلم أنه يسيء للأزهر الشريف، ويتناوله بصورة مترهلة وسلبية، ويتجاوز الخطوط الحمراء، لافتًا إلى أن قصة الفيلم تستند لفكر علماني وهو فكر نصر حامد أبو زيد، وهو فكر يسيء للأزهر وللرموز والمقدسات الدينية.

وشدد الأستاذ بجامعة الأزهر على أن نواة الخلاف الأساسية في هذا الفيلم، هي الفكرة التي سيستقيها الناس عن عالم الدين؛ حيث يشكك المجتمع في الأزهر وفي رجل الدين، فكيف يخرج الأزهر علماءً يتأثرون بالأفكار الأخرى ويظهره على أنه تابع للسلطة؟، مؤكدًا أن العمل به الكثير من السقطات عن صورة رجل الدين التي تؤخذ على الفيلم من خلال الرواية.

أما الناقدة السينمائية ماجدة موريس، أكدت أن الفيلم يرصد مشاكل مجتمعية، أبرزها ظهور الدعاة على الفضائيات، الذين تحولوا من مجال الدعوة إلى مجال العمل الإعلامي، ومنهم من كان متأثرًا بالعديد من الأفكار والأيدولوجيات الأخرى، كما كشف عن حجم هذا التحول، وفتح الأبواب المغلقة، وكشف حجم بيزنس الدعوة، الذي مورس خلال الفترة الماضية بشكل كبير.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة