غضب الناس وبؤس الحكومة

الأحد، 15 يناير 2017 07:32 م
غضب الناس وبؤس الحكومة
عبد الحليم قنديل يكتب

أكثر ما يفتقده المصريون اليوم هو معنى العدالة، وأكثر ما يكرهونه هو سيادة وتوحش الظلم الاجتماعى بالذات، فالغالبية الساحقة من المصريين صارت تحت خط الفقر المدقع والنسبى، والطبقات الوسطى تنزلق بسرعة مجنونة إلى قاع البؤس، وتكاد لا تسلم سوى «فرقة ناجية» طافية، لا تمثل سوى عشرة بالمئة من الشعب المصري، أعلاها طبقة الواحد بالمئة التي تحتكر نصف إجمالى الثروة العامة بالتمام والكمال.
 
وقد يقولون لك إن المحنة تنفرج، وأن أحوال الاقتصاد المأزوم سائرة إلى تحسن، وأن سعر صرف الدولار عاد إلى معدلات السوق السوداء قبل قرار التعويم، وأن البنوك تجتذب مليارات الدولارات، وأن احتياطى النقد الأجنبى يزيد لدى البنك المركزى، وأن البلد لا يزال قادرا على سداد أقساط وفوائد الديون الخارجية المتزايدة بصورة فلكية، وأن اقتصاد الحكومة يبتعد عن شفا الإفلاس، وقد يكون بعض ذلك صحيحا، وإن كان عجز الموازنة يتفاقم ويتضاعف باطراد، برغم إجراءات خفض الدعم التي ألهبت حياة الفقراء والطبقات الوسطى، وجعلت بطولة البقاء على قيد الحياة مستحيلة أكثر فأكثر، وأحرقت غالبية الناس فى أفران الغلاء، فأسعار السلع الأساسية تزيد كل يوم، وربما كل ساعة، والجنيه المصرى أصبح يساوى «بصلة» بالمعنى الحرفى، والذين يعملون تجمدت أجورهم، ونزلت قيمتها السوقية إلى النصف، فما بالك بالذين لا يجدون فرص عمل من اصله، وتطحنهم مآسى الفقر والبطالة والمرض، وكل هؤلاء لا يجدون عزاء فى التحسن المزعوم لأرقام اقتصاد الحكومة، ولا تلوح لهم انفراجة تعنيهم فى الأفق المرئى، حتى مع زيادة الإيرادات المنتظرة مع بدء تصدير اكتشافات الغاز المهولة، وكل ما ينتظرونه ويتخوفون منه هو زيادة الأعباء، وإثقال حياتهم المنكوبة بمزيد من ارتفاع أسعار وفواتير الدواء والمياه والكهرباء والمترو والنقل العام، والجولات الجديدة المقررة من رفع أسعار البنزين والسولار والمازوت، والأزمات التبادلية في القمح والسكر والزيت والأرز، وهو ما يؤدى إلى احتقان اجتماعى متصاعد، تفيض به خزانات الغضب في نفوس الناس، وتنكمش معه فوائض الصبر، والذى تحسبه الحكومة صمت الرضا بأقدار التعاسة.
 
نعم، تحسن أرقام اقتصاد الحكومة، وبافتراض أنه يحدث أو سيحدث، لا يعنى بالضرورة أن الأمور تسير إلى الأفضل، وقد كانت أرقام اقتصاد الحكومة معقولة قبل الثورة الشعبية، لكن أحوال الناس كانت تمضى إلى الأسوأ، وهو ما كان سببا فى غضب مكتوم، تحول إلى فورة وثورة فى النهاية، وكان السبب ـ ولا يزال ـ مرئيا محسوسا، فلم تتساقط ثمار النمو إلى الأسفل كما كانوا يزعمون، وكما تدعى روشتات «صندوق النقد» التي يعاودون تجريبها في حماس، وكأننا نسينا الخراب الذي جرى مع التجارب المريرة، وما صحبها من دمار وتجريف لقلاعنا الإنتاجية الكبرى، والخصخصة التي تحولت إلى «مصمصة»، يعدوننا بالعودة إليها اليوم في خصخصة شركات البترول والبنوك ومحطات الكهرباء عبر البورصة، والتي قد تنعش البورصة و«البورصويين»، وتنزح العوائد المليارية إلى الخارج فى المضاربات الساخنة، ولا تترك لسواد المصريين سوى الخراب المستعجل.
 
وقد لا يصح إنكار وجود إنجازات كبرى، تتم غالبا بإشراف وإدارة الجيش، وهيئاته عالية الكفاءة والانضباط، وتظهر فى الطرق والأنفاق والموانى والمدن ومحطات الطاقة الجديدة، وينتمى معظمها إلى معنى البنية الأساسية، ومما لا تظهر عوائده سريعا، وقد يلعب دورا في تنمية الاستثمارات، لكنه لا يؤدى إلى تنمية حقيقية عادلة بالضرورة، فثمة ميل هائل إلى الإنجاز، لكنه ليس مشفوعا بانحياز مكافئ إلى غالبية المصريين العظمي من الفقراء والطبقات الوسطي المطحونة، ولا إلى بناء اقتصاد جديد ذي طابع إنتاجي في الأساس، يعيد تصنيع البلد، ويوفر فرص عمل دائمة منتجة لعشرات الملايين من العاطلين الحاليين والمحتملين، ويوفر سلعا مصنعة تحل محل الواردات، ويضاعف طاقة التصدير مرات، وباستثناء مصانع «البولى إيثيلين» و»الكلور» ومجمع الأسمدة المنتظر في العين السخنة، وكلها تمت وتتم بالطاقة الجبارة لهيئات الجيش، بإستثناء هذه القفزات المفرحة، فإن الاتجاه للتصنيع يبدو بطيئا مترددا، بينما لا حل لأزمة الاقتصاد بغير التصنيع الشامل، وبغير الزراعة الحديثة التي تحولت بدورها إلى صناعة، وتلك مهمة لن ينهض بها بارونات «القطاع الماص» الذي نسميه خطأ بالقطاع الخاص، ولن يتحمس لها مليارديرات النهب العام، الذين يفضلون «رأسمالية الشيبسى»، وما تيسر من تجارة أراضى وعقارات وصناعات صورية تعتمد على مدخلات أجنبية، ولا هم لهم سوى طلب الاعفاءات والمزايا، والضغط الداهس على صناع القرار، وإجبارهم على إلغاء أي اتجاه لفرض أى عدالة ضريبية، وعلى نحو ما جرى فى وقف الضريبة على الأرباح الرأسمالية في البورصة، وإلغاء الضريبة الاجتماعية، وتخويف الحكم من تقرير الضريبة التصاعدية، فهم لا يريدون سوى التجبر على الفقراء والطبقات الوسطى، وتحميلهم وحدهم بفواتير الخراب الاقتصادى، ثم لا يهمهم بعدها أن يحترق البلد، فهم يهربون ما اكتنزوه من أموال إلى بنوك الخارج بانتظام، ويستعدون للهرب وقت الخطر على أول طائرة خاصة.
 
مصير الحكومة:
 
تتغير الحكومة في مصر، أو لا تتغير، يجرى تعديل وزارى موسع أو ضيق، يذهب رئيس الوزراء أو يبقى، لا يبدو كل ذلك مهما، فالدودة في أصل الشجرة، وفي الاختيارات والسياسات التي لا تصنعها الحكومة.
 
جرت ثورات هائلة في مصر، وسالت دماء غزيرة، وذهبت دساتير وحلت أخرى، وأطيح برؤساء وأتى آخرون، لكن شيئا في نمط صناعة القرار لم يتغير، فقد ظل الرئيس هو الرئيس، بيده مفاتيح القرار كلها، وهو الذى يعين الوزراء ونوابهم ويقيلهم، كما يعين المحافظين ومسئولى الهيئات، وبناء على تقارير أمنية ورقابية، يطلبها الرئيس، أو تصل إلى مكتبه على نحو روتينى، وثبت الخطأ فيها مرات، وأقال الرئيس من سبق له أن عينهم، وبحسب تقارير صلاحية ثبت أنها غير صالحة، وقد لا يكون العيب فى التغيير أو التبديل بحد ذاته، أو اكتشاف فساد مسئولين بتقارير رقابة، أصدرتها ذات الجهات التي رشحت وزكت، ثم طاردت الذين أوصت بهم خيرا، فالتغيير فى الشخوص وارد عندنا وعند غيرنا، لكنه ليس الخلل الرئيسى فى كل الأحوال، فالخلل الأبرز فى الصندوق ووعاء الاختيار، وقد ظل هو نفسه، فمناصب الوزراء والمحافظين سياسية بطبيعتها، بينما لادور للسياسة فى الاختيار، والسياسة غائبة تماما، ولا صوت يعلو على صوت أجهزة الأمن والرقابة، ووعاء الاختيار هو نفسه الموروث عن أيام المخلوع مبارك، فقد زال دور الصفوف الأولى من نخبة المخلوع مع زوال دوره، وجاء الدور على اختيارات من الفرز الثالث حتى العاشر، وهم ـ بالطبع ـ موظفون من امبراطورية البيروقراطية اللعينة، أو من «التكنوقراط» التائهين، بلا طعم ولا لون ولا رائحة، بل مجرد آلات مدربة على تلقى الأوامر، وإبداء السمع والطاعة، وادعاء أن «كل شئ تمام» على طريقة الموروث البيروقراطى الرذيل.
 
وقد لا تكون تلك هي الظاهرة الوحيدة، فالمزاج الشخصى للرئيس يؤثر بشدة، وتكوين الرئيس السيسى مختلف، وثقته فى الجهاز الإدارى منعدمه تقريبا، والحكومة التي يعرفها الناس آخر أولوياته، فلدى الرئيس أكثر من حكومة، وهو يستريح أكثر إلى ما يمكن تسميته «حكومة الجيش»، فقد قضى الرجل عمره المهنى كله في سياق عسكرى محض، يعطى الأولوية القصوى للانضباط وسرعة التنفيذ، وهو ما يفسر اعتماد السيسى على هيئات الجيش في إدارة الانجازات ومشروعات البنية الأساسية الكبرى، وبأولويات يحددها الرئيس بنفسه، وتتم غالبا في غيبة هيئات الحكومة المرئية في المداخلات اليومية، وإن كان رئيس الوزراء يحضر الافتتاحات على سبيل الديكور، وفي الموقع التالى لحكومة الجيش، يأتى دور ما يمكن تسميته بالحكومة الوسيطة، ويتم اختيار أفرادها غالبا عبر مؤسسة الرئاسة، وتضم وزراء ومسئولين بعينهم، يتصل عملهم غالبا بمشروعات الطرق والمدن والموانى والأنفاق والإسكان والطاقة الجديدة، يحرص الرئيس على الاجتماع المتواتر بهم لساعات طويلة، ويناقش معهم أدق التفاصيل، مع المتابعة اليومية لجداول انجاز المشروعات التي يشرف عليها الجيش، وتضم حشدا كبيرا من شركات المقاولات، وما قد يزيد على المليونى مهندس وفنى وعامل مدنى، وهى ماكينة هائلة لا يقارن دورها ببؤس جهاز الحكومة الظاهر للعيان، وهو ما يجعل الحكومة التي تعرفها في أسفل السلم، ويجعل شخص رئيس الوزراء ودوره شيئا على هامش الهامش.
 
والأهم من تراتب الحكومات هو السياسات، والرئيس هو المسئول عنها قطعا وحصرا، وبغير شريك يعتد به، وكل إخفاق ـ كما كل نجاح ـ فيها ينسب للرئيس وحده، وهو ما يفهمه الحس الشعبي المباشر، فالخلل الجوهرى في السياسات لا في الحكومات، وتغيير الحكومة أو تعديلها، قد لا يعني شيئا سوى سطور عابرة في نشرات الأخبار.
 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق