القومية المصرية وجمهورية يوليو

الأربعاء، 08 فبراير 2017 03:51 م
القومية المصرية وجمهورية يوليو
إيهاب عمر يكتب

يشكل الفضاء الرقمي من وسائل تواصل اجتماعي، ومواقع وبوابات صحفية، فرصة تاريخية للمؤامرة من أجل إعادة تشكيل العقل الجمعي للشعب المصري، خصوصًا الأجيال الصاعدة الساعية للمعرفة، وذلك في ظل غياب تام لخطاب إعلامي مضاد يرد على ديباجات الأقلام العميلة.

وفى هذا الإطار، لدينا مجموعة أشبه بتنظيم يمكن أن نطلق عليهم مؤرخين تحت الطلب، سبق وأن قادوا حملة للترويج إلى «تركيا العثمانية» على حساب «مصر محمد علي»، وجوقة ثانية يمكن أن نطلق عليهم «يسارجية الجامعة الأمريكية»، وهم طلاب أو مدرسون في الجامعة الأمريكية، لديهم خطابٌ يساريٌ مناهض للهيمنة الأمريكية، لكنه في واقع الأمر، لا يخرج عن فكرة أنهم الجناح اليساري للعولمة الأمريكية فحسب، فلا يعقل أن يصدح أحدهم بالصريخ في وجه أمريكا الشريرة، بينما هو يقيم أو يدرس أو يتعلم في مدارسهم وجامعتهم، إن بعض الاتساق لا يضر، ولكن طالما القطيع يصفق! فلا تسأل يسارجية الجامعة الأمريكية أو المؤرخين تحت الطلب عن أي منطق فكري.

عقب ثورة 30 يونيو 2013، وصعود تيار اليمين القومي المصري في المجتمع، تم تنميط الشباب، باعتبار أن هذا هو عدوهم الأول، الذي شكل الجمهورية المصرية منذ ثورة 23 يوليو 1952 حتى الآن، وأن كافة رؤساء مصر القادمين من المؤسسة العسكرية كانوا من اليمين القومي، و كانت سياسات مصر منذ عام 1952 بحسب مدارس اليمين السياسي.

فوجئت بأن أساتذة سياسة وتاريخ و فلسفة سياسية يرددون هذا الهراء، أصبحت ثورة يوليو الاشتراكية ثورة اليمين القومي! وأصبح الرئيس جمال عبد الناصر صاحب المدرسة اليسارية الاشتراكية، التي تُسمى باسمه حول العالم أجمع زعيمًا يمينيًا! بينما أحزاب اليسار الناصري تغرق الساحة السياسية من اليمن إلى فنزويلا، التي سبق لمخربها الأول هوجو تشافيز أن وصف سياسته اليسارية بأنها ناصرية.

النظام الاشتراكي، والرئيس اليساري، الذي نزع اسم مصر من الخارطة، وأصبحت الجمهورية العربية المتحدة حتى بعد انفصال سوريا، أصبح يعبر عن اليمين القومي! النظام السياسي الذي كان من أهم ملامح حركة القومية العربية المضادة لفكرة قومية القطر العربي الواحد أصبح يمينًا مصريًا!

كانت ثورة يوليو 1952 ثورة يسارية اشتراكية بامتياز، وحكمت الأفكار اليسارية مصر ما بين عامي 1952 و1977، كان الرئيس أنور السادات ينتمي إلى اليمين القومي المصري، ولكن الإرث الناصري من الهزيمة العسكرية، والتراجع السياسي كان أكبر من حدوث تحول سياسي مصري من اليسار لليمين بشكل سريع.

يمكن القول أن تحول مصر إلى اليمين السياسي حدث عام 1976، ولكنه كان مزيجًا من اليمين القومي والمحافظ والراديكالي والرأسمالي، ويمكن القول أن هذا المزيج استمر حتى عام 1999، وإن كانت بعض مدارس اليمين كانت تنضم أو تنسلخ عن الجوقة الحاكمة، ما يؤلف ظاهرة في السياسة يطلق عليها يمين الوسط، في سنوات السادات الأخيرة، واليمين الرأسمالي في سنوات مبارك الأولى.

مع صعود الطبقة النيوليبرالية الأوليجاركية البلوتوقراطية مع وزارة عاطف عبيد، ثم وزارة أحمد نظيف، بالتزامن مع هيكلة الحزب الوطني، وصعود لجنة السياسات، تحولت مصر منذ عام 1999 إلى اليمين النيوليبرالي.

من الصعب تصنيف يناير 2011 باعتبارها حركة يمين أو يسار، لقد كانت ائتلاف من كل شيء، من أقصى معاقل الوطنية، إلى أعتى مواطن الخيانة والدياثة، كلٌ كان حاضرًا بنسبة، وإن كان الزيف والسوء هو من انتصر، وحمل لواء يناير خلال الأشهر التالية لتنحية حسني مبارك، أيدولوجيًا لم يكن ليناير 2011، أو المرحلة الانتقالية الأولى ملامح حقيقية، رغم أن البعض حاول نسب يناير 2011 إلى اليسار، أو بعض سياسات المجلس العسكري الحاكم إلى اليمين، ولكن هذا غير صحيح.

بالطبع كان حكم الثورة وتنظيم الإخوان هو اليمين الديني الراديكالي بامتياز، وبالإضافة إلى ذلك كان من الناحية الاقتصادية يمينًا نيوليبراليًا، استأنف السياسة الاقتصادية لليمين النيوليبرالي في سنوات مبارك العشرة الأخيرة.

مع التهديد المستمر للإخوان والثوار لخصوصية الدولة والمجتمع المصري طيلة فترة حكم محمد مرسي، والاعتداء المستمر على كل ما يحمل الروح المصرية، كان منطقيًا أن يحدث رد الفعل ببزوغ الروح القومية، واعتلائها قمة الهرم السياسي، فكانت ثورة 30 يونيو 2013 هي أول ثورة لليمين القومي في موجة يمينية تجتاح العالم اليوم.

اليمين القومي إذن لم يأخذ فرصته بشكل كامل إلا عقب ثورة 30 يونيو 2013، يمين القومية المصرية ظل في الصدارة، حتى أتى التعديل الوزاري في مارس 2016، حيث تم تشكيل المجموعة الاقتصادية من النيوليبراليين، ما جعل النظام الحاكم يتحول من اليمين القومي لليمين النيوليبرالي، ويستأنف السياسة الاقتصادية لليمين النيوليبرالي في سنوات مبارك العشرة الأخيرة.

إذن مصر كانت يسارية اشتراكية ناصرية (1952 – 1976) يمينة الوسط في سنوات السادات الأخيرة، وسنوات مبارك الأولى، ثم اليمين الرأسمالي قبل أن تتحول إلى اليمين النيوليبرالي في سنوات مبارك الأخيرة، فترة من الفوضى ما بين عامي 2011 و2012، ثم اليمين الإسلامي النيوليبرالي في عصر الإخوان، ثم اليمين القومي المصري لفترة لا تتجاوز ما بين عامي 2013 و 2016.

لم يؤسس اليمين القومي الجمهورية المصرية، حيث كانت ثورة يوليو 1952 بكافة تشريعاتها يسارية خالصة، ولم يحكم اليمين القومي في سنوات نجيب وعبد الناصر والسادات ومبارك وطنطاوي ومرسي، ولم يعد هو الفكر السياسي الحاكم في مصر بعد مارس 2016.
أن ننسب زعيمًا يساريًا بثقل عبد الناصر إلى اليمين القومي! أو سياسات نيوليبرالية تفكيكية إلى اليمين القومي المتشدد في الدفاع عن الخصوصية، أو ننسب سياسات يمين إسلامي يرى الحدود كلها تراب لليمين القومي! كلها أفكار تدل أن المتحدث لا يفقه شيئًا مما يحاول الحديث عنه، هذا لو افترضنا حسن النية من الأساس.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق