زمن التحرش الجميل

السبت، 01 أبريل 2017 08:18 م
زمن التحرش الجميل
حسن شرف يكتب:

«صحيح» لم أكن ولدت في عصر أم كلثوم، وبالطبع لم أحضر حفلاتها، ولكن لديّ «حنين» لتلك الفترة ومناسباتها، وحنيني ليس لسماع الست وهي تشدو، على الرغم من أنها أمنية كتلك الموجودة في عقلي وأنا أدرك أنها لن تتحقق، ولكن لأرى وأعيش وأستمتع بتمسك المصريين بعادات وأخلاق وطباع نبيلة، ندُّرت إن لم تكن انتهت.
 
في ليلة من ليالي أم كلثوم، وقبل حلول المساء، وصعودها على خشبة المسرح بساعات، استقبلت مقاعد مسرح الأزبكية، مئات من الجماهير «الأنيقة»، منهم من يرتدي بذلته الرسمية، كضابط في القوات المسلحة، أو شرطي برتبة عالية، ومنهم من كان يرتدي بدلة تتشابه كثيرا مع تلك التي ارتداها في حفل زفافه، إن لم تكن هي، وجوار كل منهم زوجته، أو شقيقته، أو كريمته، وكن جميعا أنيقات، جميلات، وفاتنات، بملابسهن، وشكلهن الجذاب.
 
الجميع ينتظر، صعود كوكب الشرق، لتشدّو بما حباها به الله من موهبة فريدة، ممزوجة بموسيقى تهذب النفوس، ينتظرون في صمت، وكأن هناك مخرجا تلفزيونيًا، وجَّه ممثليه إلى الانتظار في سكون، وبعد فترة من الوقت لم يتخللها ملل الانتظار، يتم الإعلان عن فتح الستار، لتظهر سيدة الغناء العربي، بفستان صنع خصيصا لهذا الحفل، وتستقبلها تلك الجماهير بتصفيق حار يعبر عن مدى إعجابهم بفنها الحقيقي.
 
«رجعوني عنيك لأيامي اللي راحوا.. علموني أندم على الماضي وجراحه.. اللي شفته قبل ما تشوفك عنيه.. عمر ضايع يحسبوه إزاي عليّ.. أنت عمري اللي ابتدى بنورك صباحه.. قد ايه من عمري قبلك راح وعدّى.. يا حبيبي قد ايه من عمري راح.. ولا شاف القلب قبلك فرحة واحدة.. ولا داق في الدنيا غير طعم الجراح» ، هكذا بدأت أم كلثوم، ولا يقاطعها الجمهور إلا للتصفيق، وبعد انتهاء الحفل، ويدرك الكل أنه فائز، حتى هؤلاء الذين دفعوا أربعة جنيهات ثمنا للتذكرة- علما بأن هذا الرقم في الستينات كان أكبر من راتب موظف مهم، ويكفي لقضاء حاجات أسرة كاملة- يخرج الجميع من المسرح في نظام كهذا الذي نراه في تدريبات الكليات العسكرية، وبعد وصلات كوكب الشرق الغنائية، التي صفت النفوس وهذبتها، لم يحاول أحدهم أن «يتحرش» بسيدة تسير على يسار رجل آخر، ولم تكتشف إحداهن نظرة من «غريب» ليست في موضعها، على الرغم من خروج الألاف من أبواب المسرح في وقت واحد، ومن المنطقي أن يساهم الإزدحام ربما في «لمسة» غير متّعمدة، ولكن حتى تلك «اللمسة» لم نسمع عن وجودها، في حفلة من حفلات قيثارة الشرق.
 
هل لنا أن ننتقل معًا خمسة عقود، لحفلات الغناء، وبغض النظر عن الكلمات والموسيقى، إلا أننا نجد بشكل مستمر الإعلان عن حالات تحرش، حتى وصل الأمر إلى إلغاء بعض الحفلات بسبب ازدياد حالات الإعتداء على السيدات.
 
حالات تحرش يومية في الأماكن العامة، في العمل، اغتصاب رُضع، تعذيب الأطفال الأيتام، قتل، خطف بنات واغتصابهن، كل ما سبق لو بحثت مستخدما المحرك الشهير «جوجل» ستجده بشكل يومي ليس حالة في كل نوع ولكن عشرات ومئات الحالات بشكل يومي، لتختفي فجأة العبارة الأشهر عن المصريين «شعب متدين بطبعه» لنكتشف أننا لسنا متدينين، ولا نعرف عن الدين سوى أركانه الخمس التي لا يطبقها معظمنا، كما أننا لا نعرف عن الأخلاق سوى الحديث النبوي الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وكأنه كلما مرت السنون عن حديث خاتم الأنبياء، يقل تمسكنا بما جاء فيه.
 
عقود بسيطة تُعد على «صوابع اليد الواحدة»، تكشف كمية القبح التي لحقت بنا «أفرادا ومجتمعا»، وبالتأكيد سيتدهور الحال بعد عقود قادمة، أكثر وأكثر إن لم تتعامل الدولة والمجتمع المدني مع المشكلة، كتعامل جراح، ليس أمامه سوى «المشرط» لإنقاذ مريضه.
 
وعلى الجانب الآخر، يجب البحث مرارا وتكرارا عن النسخة الأحدث والأجدد من فاطمة بنت الشيخ إبراهيم السيد البلتاجي «أم كلثوم» والتي بإمكانها أن تصعد مجددا على مسرح كهذا الذي وقفت عليه كوكب الشرق، غير معتمدة على جسدها، أو أشياء غير موهبتها وصوتها.
 
 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق