خرافة المستبد العادل

الإثنين، 03 أبريل 2017 01:00 م
خرافة المستبد العادل
كتب- حمدي عبدالرحيم

كاد الحوار الذى أجرته الزميلة ماجدة خضر الأسبوع الماضى لجريدة «صوت الأمة» مع الدكتور جلال أمين أن يمضى كغيره، ولكن الدكتور جلال قال جملة طويلة استوقفتنى قال: «لا أكره الديكتاتورية، ولكنى أفضل وصف المستبد العادل»، كون الدكتور لا يكره الديكتاتورية، فهذا شأنه الخاص، لا نتدخل فيه، ولكن استخدامه  لمصطلح «المستبد العادل» خطير جدًا، خاصة والدكتور جلال هو مَنْ هو، فمثله يُؤخذ عنه ويُروى فكيف استساغ الدكتور الجمع بين الاستبداد والعدل، وهما متناقضان؟!

الدكتور جلال يعلم أن الأستاذ الشيخ عبدالرحمن الكواكبى قال إن: «الاستبدادُ لغةً هو: غرور المرء برأيه، والأنفة عن قبول النّصيحة، أو الاستقلال فى الرّأى وفى الحقوق المشتركة».
 
فأين العدل فى ذلك التعريف الجامع المانع؟!
الدكتور جلال يعرف أن الكواكبى قال: «الاستبداد فى اصطلاح السّياسيين هو: تَصَرُّف فرد أو جمع فى حقوق قوم بالمشيئة وبلا خوف تبعة، وقد تَطرُق مزيدات على هذا المعنى الاصطلاحى فيستعملون فى مقام كلمة «استبداد» كلمات: استعباد، واعتساف، وتسلُّط، وتحكُّم. وفى مقابلتها كلمات: مساواة، وحسّ مشترك، وتكافؤ، وسلطة عامة. ويستعملون فى مقام صفة «مستبدّ» كلمات: جبّار، وطاغية، وحاكم بأمره، وحاكم مطلق، وفى مقابلة «حكومة مستبدّة» كلمات: عادلة، ومسئولة، ومقيّدة، ودستورية٫ ويستعملون فى مقام وصف الرّعية «المستَبَدّ عليهم» كلمات: أسرى، ومستصغرين، وبؤساء، ومستنبتين، وفى مقابلتها: أحرار، وأباة، وأحياء، وأعزّاء».
 
كلام الكواكبى وغيره، بل الحقائق التى على الأرض تثبت استحالة الجمع بين الاستبداد والعدل، فمن أين جاء هذا المصطلح التعس البائس الذى استخدمه الدكتور جلال بسهولة مدهشة؟!
 
لقد ورد المصطلح فى مقال كتبه الشيخ الإمام محمد عبده قبل ما يزيد على المائة سنة، ومقال عبده كما نشره الدكتور محمد عفيفى أستاذ التاريخ المعاصر  وعلق عليه جاء فيه نصًا: «هل يعدم الشرق كله مستبدًا من أهله عادلا فى قومه يتمكن به العدل أن يصنع فى خمس عشرة سنة ما لا يصنع العقل وحده فى خمسة عشر قرنا؟» وفى ظن «عبده» أن هذا المستبد العادل يتمكن خلال خمسة عشر عاما من إنجاز مهمة توحيد الصف تحت زعامة رشيدة حتى يستطيع أن «يحشد له جمهورًا عظيمًا من أعوان الإصلاح من صالحين كانوا ينتظرونه وناشئين شبوا وهم ينتظرونه وآخرين رهبوه فاتبعوه وغيرهم رغبوا فى فضله فجاوروه» وهو ما كان يأمل أن يكون جدول أعمال تدريجيًا لنهج ديمقراطى فى الشرق كله.
 
ما سبق يشير بقوة إلى أن مقال الإمام محمد عبده جرى اقتطاعه من سياقه الزمنى بل والبلاغى، وجرى التلاعب به لترويج مصطلح هالك مهلك، فالمستبد عند الإمام هو ذلك الرجل القوى الذى إن عزم على أمر به عدل وصلاح مضى إليه غير متردد وحشد جمهور الأمة لتنفيذه.
 
بغير  تلك القراءة سنقع فى محظور التقول على موتانا الذين لا يستطيعون الرد ولا الدفاع عن كلامهم.
 
كان يجب على ذى قيمة مثل الدكتور جلال أن يلتفت لخطورة ما قاله لأن الواقع المعاش يكذبه، فنحن لا نعرف أمة من الأمم نهضت بالاستبداد، ولا نعرف مستبدًا قاد أمته سوى إلى التهلكة، لأن المستبد ما استبد إلا لنقصان فى عقله، إذا يصور له ذلك النقصان أنه أتم الناس عقلًا وأرجحهم رأيًا، وأحسنهم بيانًا ومنطقًا، ولذا يتجاهل بل يضيق، بل قد يحارب ويعادى كل رأى غير رأيه، ويفر من كلام الآخرين فرار السليم من الأجرب، فإذا بالأمة تتقوقع وتتكلس وتتخشب لأنها محرومة بقرار من المستبد من تسمع لغيره ومن أن ترى بعيون غير عينيه.
 
أما العدل فهو بانى الحضارات ومحدث الطفرات، ولا شىء يحرض على العدل ويزينه أكثر من تمام العقل، لأن العاقل يدرك حتمًا أنه إلى زوال، كما يدرك أن لكل الأمور من الأمور وجوه متعددة، فإن غاب عنه وجه فغيره سيقدم له الوجه الغائب، فنجد العادل حريص وهذا من تمام عقله على تمحيص كل أمر وفحص كل حدث، والاستماع إلى مختلف الآراء ووجهات النظر ثم الأخذ بأحسنها غير واضع فى التقييم شخصية قائلها.
 
وعلى ما سبق يظهر لنا بوضوح أن مصطلح المستبد العادل ما هو إلا حديث خرافة يجب أن تقبر الآن وليس بعد دقيقة.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق