فاتورة الأمن القومى

الإثنين، 03 أبريل 2017 02:00 م
فاتورة الأمن القومى

لكل دولة أمن قومى، لحفظ حقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وهو دور تلعبه الحكومات، أو السلطة العليا فى البلد، وتوسع مفهوم الأمن القومى ليشمل أمن المعلومات والإنترنت والسكان والعرق، وفروعا أخرى كثيرة، تحقق مصلحة الدولة العليا، لهذا تتخطى الدول العظمى مفهوم الحدود، وترسل بوارجها وأساطيلها، إلى آخر بلاد الدنيا لتحقيق هذا الغرض، مثل الأساطيل الأمريكية فى البحر المتوسط والمحيط الهندى، والساحل الكورى وبحر الصين.
 
وهو أمر يبرر اتساع نفوذ الدول الإقليمية، ويفسر، على وجه الخصوص، الصراع الإقليمى بين طهران والرياض، منذ قيام الثورة الإسلامية فى إيران، وقبلها كان صراعا بين مصر والسعودية بعد قيام ثورة يوليو 52.
 
الصراع السعودى الإيرانى فى المنطقة، بلغت فاتورته أرقاما فلكية فى الدولارات المنفقة، وفى الأرواح النافقة، وفى الدين الذى قسموه فيما بينهم إلى شطرين سنى وشيعى.
 
وعبر سنوات تجاوزت الـ38، بلغ الصراع منحنى من أخطر ما يكون، كان نتيجته أن وقعت السعودية عمليا تحت الحصار الإيرانى.
 
من الشمال باتت طهران تتحكم فى مراكز صنع القرار العراقى، والطريف أنه تم بمساعدة خليجية، عندما منحت دول النفط التدخل الأمريكى الموافقة والرضا، لإسقاط صدام حسين.
 
ومن الشرق، أحدث التدخل الإيرانى فى الشؤون الداخلية البحرينية، هلعا سعوديا، تبعه تدخل عسكرى، فيما سمى بقوات درع الجزيرة، لإخماد ثورة البحرينيين (أغلبهم شيعة).
 
ومن الجنوب، كانت اللعبة التى قصمت ظهر السعودية، عندما دفعت أنصار الله، أو ما يعرف إعلاميا بالحوثيين، للسيطرة على مقاليد الدولة، بقوة السلاح، وفرض الأمر الواقع.
 
فاق جهاز المخابرات السعودى متأخرا، بعد سقوط كل المدن اليمنية بما فيها العاصمة صنعاء فى قبضة أنصار الله، رغم أن النفوذ السعودى فى اليمن، كان يفوق الحد، لكنه نفوذ سطحى مبنى على سياسة الشيكات، لشراء الذمم والتحالفات.
 
هنا تجاوزت إيران كل الخطوط الحمراء للأمن القومى السعودى، لأن استقرار اليمن تحت السيطرة الإيرانية، كان يعنى أن المحطة الأخيرة لنهاية حكم آل سعود، سيتم الإعلان عنها بعد تهييج شيعة ما يعرف بـ«الطوق النارى».
 
الطوق النارى هم الأقليات الشيعية التى تسكن أطراف المملكة، الشيعة الجعفرية فى الشرق، الشيعة الإباضية فى الغرب، الشيعة الزيدية، فى الجنوب.
هى إذا مسألة حياة أو موت، تجعل السلطة السعودية، تكتب شيكا على بياض لنفسها، تحت حساب، وقف تهديد أمنها القومى.
 
قد يثار جدل، يبدو منطقيا بالحسابات الإنسانية، حول الضحايا المتساقطين بالمئات جراء حرب إبادة المد الإيرانى، والتى فى اعتقادى يتحملها الطرفان مناصفة.
لكن بحسابات الأمن القومى للدول، قد تباد مدن وقرى، وتنحر ألوف الأرواح، وتحرق بلايين الدولارات، فى سبيل الحفاظ على مدن وقرى أخرى، وحياة أرواح أخرى، ومصالح أخرى.
 
دفعت السعودية «وكل دول الخليج» مليارات الدولارات لصدام حسين، فى حربه الضروس ضد إيران، قبل أن تسقط العراق كلها فى «حجر» طهران، بعد ما يزيد على مليون قتيل، ثلاثة أرباعهم إيرانيون، بتكلفة قدرت بـ220 مليار دولار، ثلاثة أرباعها أنفقها العراق على السلاح.
 
وقبل نهاية هذه الحرب، أحرجت إيران النظام السعودى عندما دفعت حجاجها للتظاهر فى زحام الحج، فكانت النتيجة موت 400 شخص، بعد اشتباكات مع قوات الأمن.
 
ووفقا لتقديرات الأمم المتحدة، فإن عدد قتلى الدفاع عن الأمن القومى السعودى، بلغ 10 آلاف قتيل يمنى، 60% منهم قضوا بطائرات التحالف العربى الذى تقوده المملكة، فضلا على تشريد 3 ملايين شخص.
 
الرياض مؤمنة إيمانا لا يقبل أى شك أن الحفاظ على أمن المملكة، مرتبط عضويا بالقاطن فى البيت الأبيض، فكانت زيارة محمد بن سلمان ولى ولى العهد، لواشنطن.
 
لكن ترامب الذى سخر الجميع من تضاؤل أفقه السياسى، أدرك أن أى حديث عن أمن قومى سعودى، لا يستقيم فى ظل التعنت العقيم، الذى تمارسه الرياض مع القاهرة، فخرج قرار إعادة ضخ بترول أرامكو للعاصمة الوحيدة التى تستطيع تحجيم الدور الإيرانى فى المنطقة، استنادا لحقيقة أن فترة الغيبوبة المصرية التى أحدثتها الثورة كانت الفترة التى تمدد النفوذ الإيرانى فيها ليحيط بالسعودية أنهت فيها ابتلاع العراق وسوريا واليمن، وكادت تفعلها فى البحرين.
 
لكن هل من مصلحة القاهرة أن تكون جزءًا من حدود الأمن القومى السعودى؟ أو بعبارة أدق، هل تستطيع القاهرة عمل التوازن فى علاقتها فى المنطقة، وتجمع بين الإيرانيين والسعوديين فى الحلال؟
 
الراحل حافظ الأسد، الرئيس السورى الأسبق، هو العبقرى الوحيد، الذى استطاع أن يجبر كل الأطراف، على قبول علاقته المتوازنة مع الجميع، فجمع بين علاقة جيدة مع مصر والسعودية وإيران فى آن واحد.
 
مصر تحاول القيام بهذا الدور، لكن نجاحها مرتبط بقدرتها على فك الاشتباك بين أزماتها الداخلية الاقتصادية، وطموحها الخارجى، ودورها التاريخى، الذى لم يتمكن أحد من القيام به بدلا منها.

 

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق