السلام لإسرائيل والحرب لإيران!

الإثنين، 03 أبريل 2017 10:00 ص
السلام لإسرائيل والحرب لإيران!
كتب- عبدالحليم قنديل

سلام مع إسرائيل وحرب ضد إيران، هذه أجواء القمة العربية التى عُقدت مؤخرا على شاطئ «البحر الميت» فى الأردن، والتى تقرر إيفاد الملك عبدالله بنتائجها إلى واشنطن، ولقاء الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بهدف تحصيل البركة، ومقابل مئات المليارات من الدولارات حصل عليها ترامب، وتبرع بها قادة عرب زاروا عتبات الرئيس الملياردير، والتقوا مسئولى البيت الأبيض قبل قمة التقاط الصور «السيلفى». 
 
هو السلام بالوكالة إذن، وكذلك الحرب، فبعض الحكام العرب يسعون لمفاوضة إسرائيل وأمريكا بالوكالة عن الفلسطينيين، ولا يريدون سوى «خيال مآتة» يسمونه الدولة الفلسطينية، وحكام أكثر نفوذا من الجهة المالية، يشترون الجامعة العربية وموظفيها، ويقاولون على البيانات الختامية المعدة سلفا للقمم إياها، ولا يُعيرون التفاتا للقضية الفلسطينية، ولا إلى ما يجرى فيها، وجل همهم إيران، فهم لا يريدون سوى إعلان الحرب على إيران، ومقايضة العداء لإيران بالعداء المتقادم لإسرائيل، ويرون العدو فى طهران لا فى تل أبيب، وكما لم يكونوا طرفا مباشرا فى الحروب ضد إسرائيل فى أى وقت، فهم يريدون تكرار عجزهم الخلقى فى الحرب المرادة ضد إيران، وليس لهم من بضاعة الحرب سوى دفاتر الشيكات، يدفعونها هذه المرة لسيد البيت الأبيض المهووس بالمال، وعلى أمل تشجيعه لخوض حرب بالسلاح ضد إيران، وإلغاء الاتفاق النووى معها، وقصف طهران جويا، وربما قيادة حملة برية لغزو إيران، وهو وهم لو يعلمون عظيم، يشتريه حكام الفوائض المالية المستقطعة من ثروات شعوبهم، وعلى ظن أنهم يهددون إيران، ويردعونها بالتخويف من جبروت «الفتوة الأمريكانى»، والذى لا يجرؤ على خوض حرب عسكرية ضد إيران، ويعرف مسبقا عواقبها الوخيمة، والتى ليس أقلها احتمال الصدام المباشر مع الروس، وقد منحتهم إيران حق استخدام قواعدها العسكرية، ووثقت تحالف طهران - موسكو، فى لقاء بوتين والرئيس الإيرانى روحانى، عشية القمة الميتة فى «البحر الميت»، ولن يجازف ترامب مهما بلغت حماقته بصدام مع الروس قد يتطور نوويا، وهو المتهم فى بلاده بالعمالة للروس، فوق إعجابه الظاهر المفرط بذكاء الرئيس الروسى فلاديمير بوتين.
 
والمؤكد أنه لا سلام نهائيا مع كيان الاغتصاب الإسرائيلى، لا فى المدى القريب، ولا فى المدى المتوسط، والسبب ظاهر جدا حتى للعميان، فإسرائيل لا تريد الجلاء عن شبر أرض فى فلسطين، ولا فى الجولان التى أعلنت ضمها بالكامل، ولا شيء يدفع إسرائيل الآن إلى قبول صفقات سلام، ولا إلى التجاوب مع عروض الحكام العرب المعنيين، اللهم إلا فى الاستعداد لإجراء مفاوضات من أجل المفاوضات، وعلى طريقة مفاوضات الربع قرن الأخير مع الرئيس الفلسطينى محمود عباس وصحبه، التى منحت إسرائيل زمنا ممتدا آمنا، استطاعت فيه تهويد القدس المحتلة على نحو شبه كامل، وملأت ستين بالمئة من أراضى الضفة الغربية بالمستوطنات اليهودية، ولم يبق من شىء تقريبا للتفاوض عليه، ولا مانع عند إسرائيل، ولا عند رئيس حكومتها الحالى بنيامين نتنياهو، لا مانع عندهم من قبول تفاوض جديد، أو إيحاء بالتفاوض، يكسبون به زمنا إضافيا، يمكنهم من إتمام التهويد الكامل للضفة الغربية والقدس، ويفرضون به شروط الوضع النهائى، وهو ترسيم «الفصل العنصرى» للفلسطينيين، ومنح حكم ذاتى للسكان الفلسطينيين دون الأرض، وبما يشبه الوضع الحالى، ولا مانع عند الإسرائيليين من حديث الفلسطينيين عن إقامة دولة، بشرط أن تكون الدولة بلا دولة، وأن يكون الاحتلال بلا تكلفة دم، وألا تكون للدولة إياها سيادة ولا جيش، وأن تكون السيطرة الوحيدة والكلمة الفصل للجيش الإسرائيلى من نهر الأردن إلى البحر المتوسط، وأن يلهو عباس وصحبه، أو مَن يخلفه ويخلفهم، بأحاديث الصفات الرئاسية والوزارية المثيرة للسخرية، ما دامت القصة كلها لا تزيد عن حكم ذاتى محسن، أما «غزة» المحررة فعليا، فلها حديث آخر، ولا مانع عند إسرائيل من جعلها دويلة فلسطينية، تريد ضم قطعة من «سيناء» المصرية إليها، وهو ما يرفضه المصريون بالبداهة، وإن كانت إسرائيل تتصور أنه يمكن الضغط على مصر، وبديهى أن عروض إسرائيل لن تقبل فلسطينيا، حتى ولو لم يكن من مانع لدى الحكام العرب المعنيين، من وراء عنوان قيادى فلسطينى يتخذونه ستارا، فقد فات أوان تقبل وإقناعية شعار الدولة الفلسطينية نفسه، وعاد الصراع كما بدأ على الأرض الفلسطينية كلها، وصار عدد الفلسطينيين مساويا لعدد اليهود فى كل فلسطين، ولم يعد من فارق جوهرى بين فلسطين المحتلة فى نكبة 1948، وفلسطين المضافة للاحتلال فى حرب 1967، ومن الآن فصاعدا، سوف يصبح الفلسطينيون أغلبية سكانية فى كل وطنهم المحتل، وسوف يتحول اليهود إلى أقلية تحكم وتحتل وتضطهد، وعلى نحو ما كان يحدث فى جنوب أفريقيا زمن العنصرية، وحكم التاريخ فى هذه الحالة ظاهر بغير التباس، فلم يحدث أبدا، أن استمر احتلال استيطانى مع بقاء الأغلبية السكانية للمواطنين الأصليين، ولا تصل الشعوب إلى النتيجة المظفرة تلقائيا بالطبع، أو بمجرد الغلبة السكانية، بل بكفاح سياسى وفدائى لا ينقطع، والشعب الفلسطينى قادر على النصر فى الصراع الطويل المرير، فهو أكثر الشعوب العربية تعليما وتأهيلا، ومقدرته على المقاومة لا تنفد، والوقائع المرئية تشهد بعبقريته النادرة فى تجديد أساليب الكفاح، وترسانة إسرائيل النووية لن تنفعها فى مواجهة القنابل البشرية الفلسطينية، وكل تسوية موقوتة، وبافتراض إمكانية التوصل إليها، فى الحال أو فى الاستقبال، لن تكون سوى سلام موهوم، وهذا هو جوهر الخطأ والخطيئة، الذى والتى يتورط فيه وفيها الحكام العرب المعنيون، وهم يتصورون إمكانية بيع فلسطين لنتنياهو وترامب، مقابل تعزيز فرصهم فى البقاء على كراسى الحكم، وبدعوى تنفيذ ما تسمى «مبادرة السلام العربية»، والتى لا يقبل منها نتنياهو شقها الخاص بإعادة الأراضى المحتلة للفلسطينيين والعرب، ويريد استثمار عروضها الخاصة بتطبيع علاقات العرب مع إسرائيل، وهو ما يجرى تدبيره الآن فى كواليس واشنطن، ومن وراء ستار الدعوة إلى ما يسمونه «مؤتمر سلام عربى إسرائيلى»، وإقامة ما يسمى بالسلام الإقليمى، الذى يجمع إسرائيل ودولا عربية بعينها من وراء هدف الحرب ضد إيران، وإقامة تحالف سنى يهودى ضد إيران الشيعية النووية.
 
هذا هو العار الذى يريدونه لنا بالضبط، أى إحلال إيران محل إسرائيل فى مدار العداوة، فأمريكا لا تستطيع خوض حرب مباشرة ضد إيران، ولا أن تلبى مطالب إسرائيل وعربها المُلحة، وقصارى ما تملك أن تفعله، لا يعدو فرض المزيد من عقوبات السياسة والاقتصاد على طهران، وقد بنت إيران قوتها العسكرية والعلمية الهائلة ببركة العقوبات الأمريكية، وبفضل الاستجابة للتحدى الذى مثلته العقوبات، ثم أن إيران خرجت من عزلتها بالاتفاق النووى متعدد الأطراف، ومدت جسورا قوية اقتصاديا مع دول أوروبا الرئيسية، ومع الصين المتحدية لواشنطن اقتصاديا واستراتيجيا، وأقامت علاقات عسكرية ونووية متطورة مع روسيا، وهو ما يزيد من مقدرتها على مناطحة ترامب رأسا برأس، فوق قدرتها على تهديد إسرائيل بقوة حماس وقوة حزب الله، وإسرائيل لا تخاف أحدا فى المشرق أكثر من حزب الله، مهما تداعت عليه الأوصاف السلبية و«الإرهابية» من دول عربية معروفة، تتماهى سياساتها فى اطراد مع أمريكا وإسرائيل، وتتكفل بدفع النفقات، وتتورط فى إشعال المزيد من حروب التمزيق الذاتى للمنطقة العربية الإسلامية، وتخصيص مئات المليارات لدعم اللعبة الاستعمارية القديمة الجديدة «فرق تسد»، وتغذية أحقاد وحروب السُّنة والشيعة، وتمويل دعايات تكفير الشيعة، وبما أضاف مددا عظيما للقوة الإيرانية، ودفع الشيعة العرب إلى حضن الجار الإيرانى، وجعلهم جزءا مباشرا من «التابعية» الإيرانية، وأدوات جاهزة لخدمة طهران و«الولى الفقيه»، وهو ما يتكرر ويتزايد الآن، وبدعوى التعبئة ضد إيران، وتدخلاتها الخشنة، وهو ما لن يؤدى فعليا، سوى إلى دعم توسع وتوحش النفوذ الإيرانى، فإيران تكسب بقوتها الذاتية، وتكسب أكثر بغباوة وجهالة عرب الغفلة والكروش والتواطؤ، فقد أخلى العرب مواقعهم فى مواجهة إسرائيل لصالح إيران، ثم ترك العرب شيعتهم زادا إضافيا سائغا لإيران، ثم يريدون توريطنا الآن فى عار الخدمة العلنية المباشرة لأمريكا وإسرائيل، وتصوير طهران كأنها العدو الأولى بالحرب، وتصوير محاربة إيران كواجب دينى وقومى، وجعل ترامب ونتنياهو من أولياء الله الصالحين، والاستهداء بإرشاداتهم الجليلة فى الذود عن حياض «أهل السُّنة والجماعة»، والتزوير الشامل للإسلام والعروبة، وجعل الاستسلام والتحالف مع إسرائيل فرضا وسُّنة، وأداء صلاة الجماعة من خلف حاخامات إسرائيل (!).

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق