هدية بوتين للرئيس الأميركي ترامب

الثلاثاء، 11 أبريل 2017 05:25 م
هدية بوتين للرئيس الأميركي ترامب
د. مغازي البدراوي يكتب

يدور جدلا واسعا حول الأسباب التي دفعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الإقدام على القرار الجريء بتوجيه ضربة صاروخية لقاعدة الشعيرات الجوية في حمص سوريا، خاصة وأن التحقيق الذي طلبته موسكو في مسألة استخدام الكيماوي في خان شيحون السورية لم يبدأ ولم يحدد بعد من المسئول ومن استخدم الكيماوي، وموسكو على يقين من أن نظام بشار الأسد لم يستخدم الكيماوي، وليس لديه الآن أي سلاح كيماوي، وليس بحاجة لاستخدامه على الإطلاق، ورغم هذا يقرر ترامب توجيه الضربة فجأة ولم يترك فرصة للكونغرس لمناقشتها، بل أخطره قبل الضربة بيومين فقط، كما أخطر موسكو بها، على حد تصريحات البيت الأبيض، ولا يعتقد  أحد أن موسكو وافقت هكذا بسهولة على الضربة، لكن ملابسات ومؤشرات كثيرة تشير إلى أن موسكو بالفعل كانت على علم مسبق بالضربة، وأنها تغاضت عنها ولم تطلق صواريخها الدفاعية من منظومة "إس – 400" المرابضة بالقرب من قاعدة حميميم السورية، والتي تستطيع التصدي لصواريخ توما هوك الأمريكية فور انطلاقها من قاعدتها في قبرص، لكن هذا لم يحدث، وصدرت تصريحات من سوريا تؤكد أن الضربة لم تصيب ممرات مطار الشعيرات، وأن الطائرات أقلعت من  المطار بشكل عادي بعد الضربة بساعات قليلة، ورغم الحديث عن تحطم طائرات ومقتل جنود من أثر الضربة، إلا أنه لم تنشر أية صور بعد الضربة توضح مثل هذه الأمور، بل أن مصادر تؤكد بأن القوات السورية أخلت القاعدة تماماً من الطائرات قبل قصفها بعدة ساعات.
 
وقد جاءت التصريحات التي صدرت من موسكو بعد اجتماع الرئيس بوتين بمجلس الأمن القومي يوم الجمعة 7 أبريل بعد الضربة، في رأي الكثيرين، هادئة وتخلو من أية تهديدات بردود وتحتوي فقط على تنديدات عادية، كما جاءت تصريحات الرئاسة السورية هي أيضاً هادئة على غير المتوقع، واقتصرت على وصف الضربة الأمريكية بالعمل غير المسئول من قبل الولايات المتحدة الأمريكية. 
 
إلى جانب ذلك فإن تصريحات البيت الأبيض بعد الضربة أكدت أن التنسيق بين واشنطن وموسكو مستمر حول مكافحة الإرهاب ومقاومة تنظيم "داعش" في سوريا، كما أكدت الخارجية الأمريكية على أن زيارة وزير الخارجية الأمريكي ريكستيلرسون، المقررة لروسيا بعد أيام قليلة من الضربة، ستتم في موعدها، وأجرى تيلرسون بمبادرة منه اتصالاً هاتفياً مع نظيره الروسي سيرغي لافروف بعد ساعات قليلة من الضربة الأمريكية، كما أجرى رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية فاليري غيراسيموف حديثا تليفونياً بعد الضربة مباشرة مع نظيره الأمريكي جوزيف دانفورد رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة، وحسب تصريحات البيت الأبيض فإن حديث القائدان العسكريان كان مهنياً وتناول الأوضاع في سوريا بشكل عام والضربة الأمريكية بشكل خاص، لكن لم يذكر أن الحديث تضمن أية إدانات من الجانبين لبعضهما. 
 
كل هذه المعطيات يمكن وضعها إلى جانب العلاقات الخاصة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين، والتي يدور حولها الحديث في الأوساط السياسية والإعلامية في واشنطن وموسكو والعديد من دول العالم، هذه العلاقات التي ينكر الرئيسان وجودها، لكنهما لا ينكران اعجابهما المتبادل ببعضهما، كما أكد ترامب حرصه على تحسين العلاقات مع روسيا، الأمر الذي جعل البعض يتساءل، كيف يمكن لترامب أن يغضب بوتين هكذا بعد أيام من توليه السلطة؟ 
 
هذه الأمور مجتمعة دفعت البعض إلى تصور وجود اتفاق مشترك بين موسكو وواشنطن وبعلم دمشق، على هذه الضربة الأمريكية لقاعدة الشعيرات، وهو الأمر الذي لا يخلو من المنطق، حيث يرى أصحاب هذا الرأي أن الرئيس الأمريكي ترامب يواجه حملة شرسة من خصومه السياسيين داخل الولايات المتحدة تهدد بقائه في الرئاسة، وأن أهم الاتهامات التي توجه إليه هي علاقاته بموسكو وولائه الخفي لها، وأن بوتين هو الذي خطط لفوز ترامب في الانتخابات، والتحقيقات تدور في واشنطن حول هذه الاتهامات، وربما رأى الرئيس بوتين أن ترامب بحاجة لمساعدة في مواجهة هذه الحملة، فقرر مساعدته بهذه الغارة المتفق عليها، حتى يظهر ترامبأمام خصومه والشعب الأمريكي والعالم بريئاً من الاتهامات باتصاله بموسكو وبالرئيس بوتين. 
 
منطقية هذا الرأي تؤكدها كل ملابسات وظروف ونتائج الضربة الأمريكية، والتي ذكرناها آنفاً، لكن مصداقية هذا الرأي ستؤكدها أكثر فيما بعد تداعيات الأمور على الساحة الميدانية في سوريا، وما إذا كان لهذه الضربة توابع فيما بعد أم لا، خاصة وأن مسئولين في البنتاغون الأمريكي صرحوا بأنه لا يوجد تخطيط لضربة أخرى، كما أن مسار العلاقات الأمريكية – الروسية في الأيام القادمة سيكشف حقيقة الأمور. 
 
ولا شك أنه إذا صدق أمر هدية بوتين لترامب، فإن الكثيرين سيصابون بصدمة قوية، خاصة الذين أيدوا الضربة والذين هللوا لها، والذين رأوا فيها صفعة شديدة لروسيا ولبوتين.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق