الترابين وأخواتها.. إلى أين تأخذنا حرب الخلاص؟

السبت، 06 مايو 2017 12:31 م
الترابين وأخواتها.. إلى أين تأخذنا حرب الخلاص؟

دلالات عديدة تتجلى في المواجهات التي تشهدها المنطقة الحدودية لشمال سيناء، بين القبائل وتنظيم «داعش» الإرهابي، في مقدمتها خروج بيان يحمل توقيع التنظيم، يتحدث عن صد هجوم لقبيلة الترابين.

البيان هو الأول من نوعه منذ أن أعلنت جماعة أنصار بيت المقدس مبايعة أبو بكر البغدادي زعيم «داعش»، ما يوضح أن التنظيم تحول من وضع الهجوم إلى وضع الدفاع، حسبما أكد هو ذاته.

تنفيذ عملية انتحارية بواسطة سيارة مفخخة، ضد مجموعة من شباب القبيلة، كانوا يقطعون الطريق، منعًا لتحركات عناصر التنظيم في محيط قرية «البرث» التي تقع ضمن مناطق نفوذ قبيلة الترابين، له دلالتان، الأولى أن التنظيم يتجنب المواجهات المسلحة مع أبناء القبيلة، أو على الأقل في الوقت الحالي، الثانية أن الترابين تسيطر على منافذ اتصال التنظيم مع مصادر الدعم اللوجستي والاستراتيجي، وقطع الطرق التي تسيطر عليها، يؤلم التنظيم ويضعف قوته.

هستيريا البيانات التي تهدد وتتوعد كل من يتعاون مع القبائل المحاربة للتنظيم، يكشف حالة التخبط في صفوفه، التي نتجت عن خسارته الحاضنة الشعبية، والحاضنة في الوضع القائم في مناطق المواجهات لا تعني التأييد بالضرورة، لكن تحييد الأشخاص من خلال ممارسات العنف الشديد، فيما يعرف في أدبيات التنظيم بـ«إدارة التوحش»، جعل التنظيم يتجنب الرفض الشعبي، ما هيأ له تربة خصبة للاستقطاب، كما انعكس تحييد المواطنين الرافضين للتنظيم على غياب قاعدة المعلومات للأجهزة الأمنية.

تكرار حالات القبض على عناصر التنظيم الإرهابي بيد قبيلة الترابين، بصفة شبه يومية، جاء مؤكدًا أن «أهل مكة أدرى بشعابها»، وأن أبناء القبائل هم الأجدر على تحصيل المعلومات المتعلقة بشخوص العناصر الإرهابية، ومناطق تحركهم وتمركزاتهم، وهو أمر بديهي وله سوابق تاريخية، لعل عمليات حرب الاستنزاف أكبر شاهد عليها، أيضًا يقضي على هالة الغموض التي نجح التنظيم خلال السنوات الأربع الماضية في ترسيخها، لما له من انعكاس نفسي إيجابي في نفوس باقي القبائل، وسلبي على العناصر الإرهابية، بعد أن انكسرت هيبته، ومن ثم إفشال ما يعرف بإدارة التوحش والشوكة والنكاية، وهما مرحلتان يسبقا مرحلة التمكين والسيطرة.

الصحف الإسرائيلية تناولت تحركات الترابين عبر محللين بكثير من القلق، وكان الرأي أن دخول القبيلة في معادلة الحرب من شأنه الإسراع بانتهاء وجود «داعش» في سيناء، لا ننكر أن المراكز البحثية الإسرائيلية على دراية واعية بالأوضاع الاستراتيجية والأمنية في سيناء واستخلاصهم هذه النتيجة لم يأتِ من فراغ، إنما هو نتاج لتحليل علمي للمعطيات الأولية على الأرض.

المعطيات السابقة تشير إلى أن دخول القبائل على خط المواجهة من شأنه إرباك حسابات التنظيم الإرهابي.

غياب السلطة الطبيعة للقيادات القبلية داخل القبيلة عطل المواجهات وإحباط تنامي التنظيم داخل المجتمع السيناوي، وجاء الغياب نتيجة التدخلات الأمنية في اختيار القيادات قبل ثورة 25 يناير، الأمر الذي أسقط القدرة على ضبط الوضع داخل القبيلة.

عقب حادثي تفجير كنيستي طنطا والإسكندرية، سلمت قبائل قنا عددًا من العناصر المتورطة للجهات المعنية، لأن قبائل جنوب مصر ما زالت يسيطر عليها القيادات الطبيعة، ذات السلطة والقدرة على الضبط، دون التدخل في تلك الاختيارات التي يسيطر عليها الرؤية الأمنية البحته التي يغيب عنها الحسابات التقليدية التي من الضروري أن تتوفر في القيادة القبلية.

يأتي التحرك القبلي في سيناء ليفرض على الدولة إعادة النظر في احترام تركيبة القبائل المتمثلة في القيادة «الطبيعية» وأبناء القبيلة، والتي من المفترض أن يمثلها المجلس القومي للقبائل العربية والمصرية، والطريف في الأمر غيابه الكامل عن ما يجري على أرض سيناء.

خروج بيان مرصد الفتاوي التكفيرية التابع لدار الإفتاء المصرية، المبارك للتحرك القبلي ضد التنظيم، يأتي بمثابة توافق بين مؤسسات الدولة ودور القبائل في مواجهة الإرهاب، وهو موقف يفرض على باقي المؤسسات دعم موقف القبيلة، بداية من الاهتمام بوحدة بناء القبيلة -الفرد-  وتوفير أدنى مقومات الحياة البسيطة، ولن يسرح خيالنا لنطالب بالحياة الكريمة.

المسكن والمأكل والمشرب والمأمن، أسس العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع، وإن أهملتها الدولة ثم نجد المجتمع متمسكا بها، يحمل أفراده أرواحهم على أكفهم بعد أن قرروا محاربة الإرهاب، علينا أن نخجل من وطنيتهم وإنسانيهم وتفانيهم، علينا أن نقطع كل الألسن التي تطلق سهام التخوين صوبهم، وأن نقف في لحظة مع أنفسنا إجلالًا للتضحيات، حتى وإن كانت المواجهة بالرفض والكلمة والبيان.

دعونا نشكرهم شكر المقصر، ونساندهم بضعفنا على استحياء.

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق