فوز ماكرون لا يزعج روسيا

الثلاثاء، 09 مايو 2017 11:13 م
فوز ماكرون لا يزعج روسيا

خرجت الكثير من التعليقات الإعلامية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي معتبرة هزيمة مارين لوبان في الانتخابات الفرنسية وفوز إمانويل ماكرون صفعة وضربة قوية لموسكو، ذلك نتيجة اعتقاد خاطئ لدى الكثيرين بأن موسكو كانت تفضل مرشحة اليمين القومي مارين لوبان على مرشح الوسط إمانويل ماكرون، خاصة وأن لوبان التقت مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 24 مارس الماضي أثناء زيارتها لروسيا، وتصور الكثيرون أن روسيا ستتدخل لتدعم لوبان في الانتخابات، مثلما دعمت ترامب في الانتخابات الأمريكية، خاصة بعد تصريحات لوبانالتي قالت فيها: «إني أؤيد تنمية العلاقات مع روسيا في إطار هذا التاريخ الطويل الذي يربط بين بلدينا،ودافعت في كل المحافل عن التعاون بين بلدينا في مكافحة الإرهاب"، وشددت لوبان على دور روسيا في سوريا، معلنة تأييدها للرئيس الأسد».
 
لكن موسكو أعلنت صراحة أنها لن تتدخل في الانتخابات الفرنسية ولا في غيرها، وأنها على موقف محايد من جميع المرشحين، وقال الرئيس بوتين للوبان آنذاك «لا نريد بأي شكل من الأشكال التأثير على الأحداث المقبلة لكننا نحتفظ بحقنا في التواصل مع كل ممثلي القوى السياسية في البلاد كما يفعل شركاؤنا الأوروبيون أو في الولايات المتحدة»، مضيفا أن «المهم تبادل وجهات النظر معك حول طريقة تطوير علاقاتنا الثنائية والوضع في أوروبا. أعلم أنكم تمثلون طيفا سياسيا أوروبيا يشهد تطورا سريعا».
 
لكن رغم هذا أثارت زيارة لوبان لموسكو جدلاً واسعاً، خاصة وأنه من غير المعتاد أن يستقبل الرئيس بوتين مرشحا لانتخابات رئاسية قبل مثل هذه الفترة القصيرة من الاقتراع، لكن بوتين صرح فيما بعد بأن فرص لوبان ليست قوية في الفوز في الانتخابات.
 
وقد أثارت الزيارة غضب مرشح الوسط ماكرون الذي علق عليها قائلاً: «إن لوبان لديها افتتان (مسموم بروسيا)»، مضيفا «بالتأكيد يجب علينا أن نتحدث مع روسيا لضمان الاستقرار في الشرق الأوسط. لكن علينا ألاننسى من هم وماذا يفعلون وطبيعة نظامهم الحاكم».
 
وأثناء حملته الانتخابية أطلق إيمانويل ماكرون تصريحات حول مختلف القضايا الدولية الراهنة، وحول روسيا حيث قال: «روسيا ستكون شريك عمل في بعض القضايا الإقليمية، ولكننا ندرك أن لدينا أولويات وقيم مختلفة حول العديد من القضايا». ويعارض ماكرون بشدة رفع العقوبات الاقتصادية التي فرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا، بزعم تورطها في الأزمة الأوكرانية المحتدمة منذ عام 2014.
 
وبالمقابل، أعلن ماكرون عن رغبته في العمل بشكل وثيق مع أمريكا خاصة في مجال تقاسم المعلومات الاستخباراتيه وبشكل يسمح بالقضاء على الإرهاب نهائيا بجميع أرجاء العالم.
 
كما أن مواقف ماكرون من الأزمة السورية تأتي ضد مواقف موسكو، حيثقال ماكرون: «إنني أدين استخدام بشار الأسد للأسلحة الكيميائية. وأنا مستعد تماما لأن نتحمل مسؤوليتنا ضمن التحالف الدولي من خلال توجيه ضربات بالغة القوة لتدمير مواقع تخزين الأسلحة الكيميائية لدى بشار الأسد». وأكد ماكرون أنه في حال تم انتخابه رئيسا للبلاد فإن إدارته ستعمل مع الشركاء الدوليين لوضع حد للأزمة السورية وإنهاء حكم الأسد في سوريا.
 
رغم تصريحات ماكرون هذه أثناء حملته الانتخابية، إلا أن موسكو لم تكون أي موقف ضده، وكان الرئيس بوتين من أوائل المهنئين لماكرون بالفوز، واعدًا بالتعاون معه من أجل تطور ونمو العلاقات بين روسيا وفرنسا. 
 
موسكو لا تسابق الأحداث ولا تأخذ مواقف مسبقة، خاصة وأنها تعلم جيداً أن فرص ماكرون وحزبه في الحصول على أغلبية برلمانية ضعيفة، وأن مارين لوبان ستقود المعارضة في البرلمان، وسيكون لها تأثير على السياسة الفرنسية الداخلية والخارجية، وقد صرح ماكرون بعد فوزه بصعوبة مهامه بدون أغلبية برلمانية حيث قال: «مهمتنا ضخمة. ستتطلب منا أن نبني من الغد فصاعدا أغلبية حقيقية، أغلبية قوية. هذه الأغلبية ضرورية لإحداث التغيير الذي تتطلع إليه البلاد وتستحقه».
 
موسكو تتابع عن كثب تطورات الأحداث في فرنسا، وترى أن سياسات الرئيس الجديد ماكرون غير محددة المعالم بعد، وأن بها الكثير من التناقضات، وكذلك المواقف المتضاربة، خاصة حول الأزمة السورية، حيث أنه في الوقت الذي يصر فيه ماكرون على إنهاء حكم الأسد في سوريا، فإنه أكد عزمه التركيز على الحل السياسي بعيدا عن الحلول العسكرية. كما دعا إلى «سياسة مستقلة ومتوازنة تمكن من إجراء محادثات مع جميع الأطراف»، ومثل هذه الأمور لا مكان لها بدون وجود ومشاركة الأسد ونظامه، ولم يطلب ماكرون رحيل الأسد شرطا مسبقا لأي تفاوض «لأنه إجراء غير فاعل» على حدّ وصفه. ودعا إلى «سياسة مستقلة ومتوازنة تمكن من إجراء محادثات مع جميع الأطراف»، حكومة ومعارضة، في تباين عن السياسة المؤيدة للمعارضة التي تتبعها باريس منذ بداية النزاع.
 
هذا التناقض في مواقف ماكرون من الأزمة السورية ترى فيه موسكو أمراً إيجابياً تأمل من ورائه دور أفضل لباريس في الأزمة السورية، بل تتوقع موسكو حماساً أقل لدى ماكرون تجاه المعارضة السورية عن سلفه هولاند الذي كان متحمساً وداعماً كبيراً للمعارضة السورية المسلحة.
 
كما أن ماكرون كان قد عبر عن أسفه حيال أن «فرنسا ليست طرفا» في مفاوضات السلام السورية التي ترعاها حاليا روسيا وإيران وتركيا في اجتماعات أستانا. وأوضح أنه «علينا أن نبني حلا سياسيا مع القوى الإقليمية الرئيسية من خلال الموافقة على الحوار مع كل منها»، داعيا إلى تشكيل «مجموعة اتصال» تضع «الحلول الدبلوماسية قبل أي حل عسكري».
 
هذه المواقف والتصريحات تعول عليها موسكو كثيراً في التعامل مع الرئيس الفرنسي الجديد، أما بالنسبة للأزمة الأوكرانية فإن روسيا لا يهمها ما يصرح به ماكرون الآن عنها، وتعول على دور ألمانيا والمستشارة ميركل في التأثير على السياسة الفرنسية تجاه الأزمة الأوكرانية، ورغم تصريحات ميركل تجاه الأزمة الأوكرانية، إلا أن الجميع يعلمون مدى التوافق والتنسيق بين روسيا وألمانيا، واتفاقهما المبدئي على إبعاد واشنطن معن المباحثات حول الأزمة الأوكرانية. 
 
موسكو تعلم جيداً أن أي رئيس لفرنسا لن يكون خاضعاً لتأثير واشنطن وبريطانيا بدرجة كبيرة، خاصة وأن النخبة السياسية في فرنسا ضد هذا الأمر، وأي رئيس لفرنسا يخشى دائماً النخبة السياسية والمعارضة البرلمانية، وهذا ما حدث مع ساركوزي وهولاند، والرئيس الجديد ماكرون في موقف أضعف من سابقيه لأن فرص حزبه ضعيفة في الحصول على أغلبية برلمانية، والمعارضة ستكون شرسة بقيادة اليمينية القومية المتشددة مارين لوبان. 
 
لهذا لا يثير فوز ماكرون أي قلق لدى موسكو. 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق