كارثة فتح القسطنطينية

الإثنين، 12 يونيو 2017 01:20 م
كارثة فتح القسطنطينية
حمدى عبدالرحيم يكتب:

قبل ثلاثين عامًا من عامنا هذا نشرتْ دار الهلال كتاب «رسالة فى الطريق إلى ثقافتنا» الذى يعد أحد أهم وأخطر كتب شيخ العربية الأستاذ محمود محمد شاكر. يحتوى كتاب الأستاذ شاكر على أكثر من فكرة مهمة خطيرة كتبها الرجل بحسم لا يعرف الخوف ولا التردد، وكان شعاره الحديث الشريف: « لا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ، أَوْ يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ، فَإِنَّهُ لا يُقَرِّبُ مِنْ أَجَلٍ، وَلا يُبَاعِدُ مِنْ رِزْقٍ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ أَوْ يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ»، وتحت هذا الشعار المشجع على التصدى للحقائق وتحمّل ألم كشفها، قال الشيخ إن عمل معظم المستشرقين لم يكن سوى تمهيد الطريق لقوات الاحتلال الأوروبى التى اندفعت للسيطرة على ثروات الأمتين العربية والإسلامية.

اهتزت أوروبا كلها ولم يبق عليها راهب، ولا ملك، ولا أمير، ولا صعلوك، إلا انتفض انتفاضة الغضب لدينه
 
القسطنطينية فى زمانها تماثل الآن واشنطن أو باريس أو لندن أو موسكو
 
ثم قال الشيخ قولته الخطيرة التى لا أظن أن أحدًا قد سبقه إليها: «  ورأسُ كُلِّ ثقافةٍ هو الدين بمعناه العامِّ والذى هو فطرةُ الإنسانِ أيُّ دينٍ كانَ أو ما كان فى معنى الدين وبقدرِ شُمول هذا الدين لجميع ما يكبحُ جُموح النفس الإنسانية ويحْجِزُها عن أنْ تَزِيغَ عنِ الفطرةِ السَّوية العادلة وبقَدْرِ تغلغُلِهِ إلى أغوارِ النفس تغلغُلاً يجعل صاحبها قادرًا على ضبطِ الأهواء الجائرةِ، ومُريدًا لهذا الضبط بقَدْر هذا الشُمول وهذا التغلغُلِ فى بُنْيان الإنسانِ، تكونُ قوَّة العواصِمِ التى تعْصِمُ صاحبها من كُلِّ عيبٍ قادحٍ».
 
ثم تتوالى أفكار الشيخ الأستاذ الذى يبسطها بسط الشجاع ويعرضها عرض العالم الذى لا تمنعه رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه حتى يصل على فكرته التى تهمنا الآن وهنا، وهى عن فتح الفتوح، أعنى فتح القسطنطينيّة، التى هى بيزنطة عاصمة الإمبراطورية الرومانية الشرقية والتى ستصبح بعد الفتح الإسلامى إسطنبول أكبر وأهم تركيا الحديثة.
 
القسطنطينية فى زمانها تماثل واشنطن الآن أو باريس أو لندن أو موسكو، فتخيّل معى ماذا سيكون عليه حال أوروبا اليوم لو أصبحت مدينة من تلك المدن عاصمة إسلامية؟.
 
يقول الشيخ الأستاذ ما ملخصه: إنه فى يوم الثلاثاء 2 من جمادى الأولى سنة 857 هـ الموافق 29 مايو 1453 م سقطت القسطنطينية عاصمة المسيحية ودخلها محمد الفاتح بالتكبير والتهليل، وارتفع الأذان فى طرف أوروبا الشرقى، هنا بدأت كارثة نقمة المسلمين ونعمة أوروبا، لقد ارتاح المسلمون لهذا الفتح الحاسم الكبير الذى جعل عاصمة الروم عاصمة إسلامية لا يشارك الإسلام فيها مشارك، ولا يعارضه فيها معارض، تلك الراحة جلبت الكسل، الذى بدوره جلب الغرور، لقد أصبحنا سادة أوروبا والعالم ولن ينازعنا على السيادة منازع، وتلكم كانت نقمة الفتح العظيم الجليل.
 
أما نعمة أوروبا فبدأت بعد الفتح بقليل، لقد ترنحت أوروبا تحت وطأة أذان الصلوات فقررت أن تصحو من نومها لترد للمسلمين الصاع صاعين، وهذا ما كان عندما ظهر رجال من طبقة « روجر بيكين» الإنجليزى الذى جاهد فى التعلم جهادًا مستميتًا حتى يخرج نفسه وأهله من عوامل الجهل، لقد اعترفت أوروبا بهزيمتها أمام المسلمين، اعترفت أنها فقدت عاصمتها الدينية والسياسية والثقافية، فقدت بيزنطة العظيمة، ولكن هذا الاعتراف لم يكن جلدًا للذات واجترارًا للأحزان وسقوطًا فى هزيمة قدرية لا فكاك منها، لقد كان اعتراف مقاومة، بطريقة: نقطة ومن أول السطر.
 
يواصل الشيخ الأستاذ شاكر، فيقول ما ملخصه: اهتزت أوروبا كلها ولم يبق عليها راهب، ولا ملك، ولا أمير، ولا صعلوك، إلا انتفض انتفاضة الغضب لدينه، فدّرسوا الإسلام وكان أهم ما لاحظوه هذه الغفلة المطبقة على أرض الإسلام والتى أورثهم إياها الاستنامة إلى النصر القديم على المسيحية، والاغترار بالنصر الحادث بفتح القسطنطينية.
 
كان الاعتراف بالهزيمة ومن ثمّ تصحيح المسار هو بداية النهضة الأوروبية التى سرعان ما ردت الصاع صاعين فلم تكن مضت إلا سنوات معدودة على اكتساح المسلمين لبيزنطة التى هى القسطنطينية حتى محت أوروبا كل أثر للمسلمين فى الأندلس وسقطت الأندلس كلها بعد أربعين سنة من فتح القسطنطينية، ثم فُقدت دار الخلافة فى القسطنطينية بعد مرور مائتى عام على فتحها.
كان يجب علينا أن تكون الذكرى الخمسون لقاصمة الظهر يونيو 1967 بداية نعمة الإفاقة ولكنها جاءت لتواصل نقمة البلادة، وها هم العرب وأهل الإسلام يذبح بعضهم رقاب بعض ويحاصر بعضهم البعض. 

 

تعليقات (1)
في كل الشجر نار واستمجد المرخ والعفار
بواسطة: فهر محمود شاكر
بتاريخ: الثلاثاء، 13 يونيو 2017 02:11 ص

كلمة جليلة ليت القائمين على أمور العرب والمسلمين أن يعوها ويتدبورا مغزها فليس أمامنا سوي التنبه واليقظة من غفلة وسبات ألم بنا وتناهبتنا ا?مم فأخربنا بيوتنا بأيدينا . لغة بينة وكلام بليغ كعادتك دائما وفقك الله

اضف تعليق