سيظل اليأس خيانة

الأحد، 18 يونيو 2017 12:00 م
سيظل اليأس خيانة
حمدى عبدالرحيم يكتب:

من معارك الأمة التى نادرا ما يتذكرها أحد، معركة الجسر التى جرت بين المسلمين والفرس وقد وقعت فى الثالث والعشرين من شعبان عام ثلاثة عشر للهجرة.

كان قائد المسلمين فى تلك المعركة هو أبوعبيد بن مسعودٍ الثقفى، الذى خاض فى أقل من أسبوعين ثلاث معارك ضد الفرس ربحها جميعًا، ولذا ضاق به الفرس الذين كانوا قوة عظمى تتقاسم مع قوة الروم السيطرة على الكرة الأرضية، حشد الفرس قواتهم للانتقام من هذا العربى الذى أذاقهم مرارة الهزيمة فى ثلاث معارك خاطفة، فكان لا بد من الانتقام حرصًا على هيبة الإمبراطورية فكانت معركة الجسر.

 

كان أبوعبيد قائد المسلمين وأولاده وشقيقه من أشجع الناس، وكان يهجم على العدو هجوم مَنْ لا يخاف الموت، ومن تلك النقطة اصطاده الفرس!
 
عسّكر جيش الفرس على الشاطئ الشرقى لنهر الفرات المقابل لمعسكر المسلمين وأرسل قائد الفرس لأبى عبيد، رسولًا قال له: إما أن تعبروا إلينا وندعكم تعبرون وإما أن تدعونا ونعبر إليكم.
 
 قادة جيش المسلمين قالوا لأبى عبيد: دع الفرس يعبرون إلينا ولكن أبا عبيد رفض عبور الفرس قائلًا: هم ليسوا أجرأ منا على الموت، بل نعبر نحن إليهم!
 
تمت إقامة جسر (كوبرى) بين الجيشين وعبره المسلمون ليقعوا بين أنياب الفرس.. إنهم الآن فى أرض غريبة لا يعرفون شيئًا عن جغرافيتها وأمامهم جيش عملاق خبير بالحروب وخلفهم نهر الفرات الجامح.
 
سلّط الفرس الأفيال على خيول المسلمين ففرت بفرسانها، وقاتل المسلمون قتال الشجعان، حتى أن أبا عبيد قام بعمل استشهادى عندما التحم بفيل فى مواجهة مباشرة انتهت بأن قام الفيل بتمزيق جسد أبى عبيد الذى كان قد حدد سبعة قادة يتولى أحدهم القيادة فور استشهاده، والعجيب أن السبعة قد استشهدوا، وكَثُر القتل فى صفوف المسلمين حتى كاد جيشهم يباد، ساعتها تسلم الراية القائد الفذ المثنى بن حارثة الذى باغته أحدهم بكارثة.
 
فبينما كان المثنى يحاول إعادة تنظيم الجيش ويدعو الفارين للعودة لمسرح العمليات قام جندى متهور يدعى عبدالله بن مرثد الثقفى بقطع الجسر (الكوبرى) وصاح فى المسلمين: موتوا على ما مات عليه أمراؤكم.
 
طبعًا انتهز الفرس الفرصة وهزموا المسلمين شر هزيمة، حتى قتلوا معظم الجيش، فلم يعد فى يد المثنى من قوات إلا أقل من ألفى جندى!
 
 أسرع المثنى بإصلاح الجسر وعبره الباقون من الجيش المهزوم، وتفرق الجنود فى الصحارى يطاردهم عار الهزيمة وعار الفرار من المعركة.
 
فى صباح اليوم الثانى، كان المسلمون يلعقون جراح الهزيمة وكان قائدان من أكابر قواد الفرس يتنزهان على حصانهما ويتفقدان فى فخر أرض المعركة، عرف المثنى بنزهة القائدين، فنفض بإيمانه تراب اليأس عن الباقين من جنوده، واختار نخبة منهم وكّمن للقائدين وقتلهما فى الحال.
 
(ألا تذكّرك هذه الواقعة بمعركة رأس العش التى انتصر فيها المصريون على الصهاينة بعيد النكسة بأيام؟).
 
غضب الفرس لمقتل القائدين وحشدوا قرابة ربع مليون مقاتل للقضاء على المسلمين.
 
فكانت معركة البويب التى جاءت بعد تسعة عشر يومًا فقط من الهزيمة الساحقة فى معركة الجسر.
 
خلال التسعة عشر يومًا استطاع المثنى إعادة الروح للجسد المثخن بالجراح، واستطاع لم شمل الأمل الذى بعثرته الهزيمة المباغتة فأعاد تنظيم الجيش وواجه الفرس بقوتهم المليونية وبأفيالهم المدربة على القتال، فهزمهم شر هزيمة، لتكون معركة البويب هى معركة الأمل الصاعد، وبداية أفول إمبراطورية الفرس.

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق