«عدد خاص» من صوت الأمة الورقى بمناسبة عيد الفطر المبارك

عطر النبى فى مصر.. «أبو العلا» سلطان بولاق

الإثنين، 26 يونيو 2017 02:00 م
عطر النبى فى مصر.. «أبو العلا» سلطان بولاق
عطر النبى فى مصر
السعيد حامد

يضم الضريح إلى جوار جسد السلطان أبو العلا، أجساد خمسة آخرين، وهم الشيخ عيد والشيخ أحمد الكعكى والشيخ مصطفى البولاقى والشيخ رمضان البولاقى والسيد على حكشة

 

«كل منطقة وليها شيخ إلا بولاق ليها سلطان».. جسّد هذا المثل الشعبى الذى تناقلته الألسنة على مدار التاريخ، المكانة الكبيرة التى تمتع بها السلطان أبو العلا أو (الحسين أبو على بن حسن الأكبر)، فى نفوس المصريين، حتى أن ضريحه فى حى بولاق أبو العلا بالقاهرة، أصبح قبلة المحبين والمريدين لآل البيت من كل أنحاء مصر، فى 13 يوليو من كل عام، وإلى الآن يقف مسجده شامخا ليحكى قصة «سلطان المتصوفين»، الذى ظل فى خلوته 40 عاما يعبد الله، حتى انتقل إلى جوار ربه عام 890 هـ - 1390م. تصدى الأهالى لهجوم السلفيين (أنصار حازم أبو إسماعيل)، على ضريح سلطان أبو العلا ببولاق أبو العلا، فى عام 2012، بعدما حاولوا محاصرته وهدمه لمعارضتهم للفكر الصوفى الذى يتهمونه بالكفر والإلحاد، واتفق الأهالى على إقامة اللجان الشعبية باستمرار وبالتناوب بين أهالى المنطقة لحماية المسجد الذى يعتبرونه قيمة أثرية كبرى.

 

وُلد السلطان «أبو العلا» فى مكة، أوائل القرن الـ 20؛ ثم نزح إلى مصر، حيث التقى علماءها، ومكث فى خلوته بحى بولاق مدة 40 سنة انقطع خلالها لعبادة الله، ويعتبره الصوفيون صاحب كرامات ومكاشفات ويترددون على ضريحه فى بولاق، ويقام مولده فى 13 يوليو من كل عام، ويأتى محبوه من كل أنحاء مصر.
 
سكن السلطان أبو العلا فى خلوة بزاوية بالقرب من النيل فى القرن التاسع الهجرى (الخامس الميلادي)، وكان للناس فيه اعتقاد، فكثر مريدوه ومعتقدوه، وكان من بينهم التاجر الكبير الخواجة نور الدين على ابن المرحوم محمد بن القنيش البرلسي؛ فطلب منه الشيخ أن يجدد زاويته وخلوته التى كان يتعبد فيها، فصدع بالأمر وأنشأ هذا المسجد، وألحق به قبة دفن فيها الشيخ أبو العلا حينما توفى سنة 890هـ الموافق 1486م.
 
العصر الذى أنشئ فيه المسجد ازدهرت فيه العمارة الإسلامية، ويغلب على تصميمه طراز مدرسة ذات الأربعة إيوانات المتعامدة الغنية بالنقوش والكتابات، كما تنبئ بقاياها القديمة، وتنحصر فى الباب البحرى مع قسم من الوجهة البحرية والشرقية والقبة والمنارة والمنبر، والباب العمومى له مبنى من الحجر ومكتوب عليه قوله تعالى: «وما تفعلوا من خير.. فإن الله به عليم».
 
يضم الضريح إلى جوار جسد السلطان أبو العلا، أجساد خمسة آخرين، وهم الشيخ عيد والشيخ أحمد الكعكى والشيخ مصطفى البولاقى والشيخ رمضان البولاقى والسيد على حكشة، وقد ذكره على باشا مبارك فى خططه فى الجزء الرابع ص 51 فقال: هذا المسجد ببولاق القاهرة عند منتهى الجسر الموصل من جنينة الأزبكية إلى بولاق، جدده السادة الوفائية وعلى بابه كتابة بالخط الكوفى.
 
وقد بدأت الكتابة التاريخية بالواجهة على يسار الباب، وامتدت إلى واجهة القبة، ومع الأسف تشوه وفقد أكثرها.. ويقرأ منها الآن: «أنشأ هذه المدرسة المباركة من فضل الله تعالى وجزيل عطائه العبد الفقير إلى الله تعالى.. على.. محمد.. القنيش.. غفر».
 
 نجارة المسجد كانت على جانب عظيم من الأهمية.. ولم يبق منها إلا المنبر الذى لا شك أنه فخر المنابر الإسلامية فى دولة المماليك الجراكسة؛ فقد طعمت حشواته بالسن والزرنشان، وامتازت جوانبه وأبوابه بتقاسيم فريدة وخاصة فى دائرته الكبرى، ومما زاد فى أهميته اشتماله على اسم صانعه المكتوب على باب المقدم بما نصه «نجارة العبد الفقير إلى الله تعالى الراجى عفو ربه الكريم «على بن طنين» بمقام سيدى حسين أبو على.. نفعنا الله».
 
وقد أجريت على هذا المسجد عدة إصلاحات فى عصور مختلفة حبا فى هذا المكان وحبا فى صاحبه.. ودفن به غير واحد من العلماء منهم الشيخ «أحمد الكعكى» المتوفى فى سنة 952هـ - 1545م. والشيخ «عبيد» والشيخ «على حكشة» المتوفى سنة 1271هـ - 1854م. والشيخ «مصطفى البولاقى» المتوفى سنة 1263هـ - 1846م.
 
وبقى المسجد موضع رعاية باعتباره حرم حىّ بولاق المحبب إلى سكانه، إلى أن سقط إيوانه الشرقى أثناء الاحتفال بمولد صاحبه فى 13 يوليو 1922، فتعطلت إقامة الشعائر فيه إلى أن قامت وزارة الأوقاف بتجديده مع المحافظة على الأجزاء القديمة فيه ودمجها مع التصميم الجديد، وبلغت مساحته بعد التجديد 1264 مترا، بعد أن كانت 843 مترا، وتكلفت أعمال التجديد والتوسيع 17 ألف جنيه، وافتتحه الملك فؤاد بأداء صلاة الجمعة فيه يوم 5 يونيو 1936 م.
 
الدكتور السعيد أبو الإسعاد، فى كتابه نيل الخيرات الملموسة بزيارة أهل البيت والصالحين بمصر المحروسة ص 78، قال إن «الحسين أبو على بن الحسن الأكبر الذى يوجد ضريحه ومسجده رضى الله عنه بشارع حسن الأكبر بحى عابدين، يصل نسبه إلى مولانا الإمام الحسين بن الإمام على بن أبى طالب كرم الله وجهه رضى الله عنهم أجمعين، وولد رضى الله عنه بمكة المكرمة فى أواخر القرن الثامن الهجرى ثم نزح من مكة إلى مصر ونزل بالقاهرة بساحل النيل بأرض فضاء مملوءة بالبرك والبوص، واتخذ خلوة فجاء الناس من كل مكان وسكنوا بجواره حتى أصبحت منطقة شديدة الازدحام وأطلق عليها بولاق أبو العلا، وأصبحت الخلوة زاوية ثم مسجد وألحق بها قبة دفن فيها الشيح أبو العلا بعد وفاته عام 890هـ بعد أن قضى حياته التى امتدت مائة وعشرين عاما قضاها فى طاعة ربه وسُنة جده المصطفى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم».
 
وذكره على باشا مبارك فى خططه فى الجزء الرابع ص 51، إن «هذا المسجد ببولاق القاهرة عند منتهى الجسر الموصل من جنينة الأزبكية إلى بولاق، جدده السادة الوفائية وعلى بابه كتابه بالخط الكوفى».
 
وذكره أيضا تقى الدين أبى العباس أحمد بن على المقريزي، فى كتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بالخطط المقريزية، الجزء الثالث ص 131، بقوله: «ساحل النيل كان بالمقس والماء انحسر بعد سنة سبعين وخمسمائة عن جزيرة عُرفت بجزيرة الفيل وتقلص ماء النيل عن سور القاهرة الذى ينتهى إلى المقس، وصارت هناك رمال وجزائر وما من سنة إلا وهى تكثر حتى بقى ماء النيل لا يمر بها إلا أيام الزيادة فقط، وفى طول السنة يثبت هناك البوص والحلفاء وتنزل المماليك السلطانية لرمى النشاب فى تلك التلال من الرمل فلما كان سنة ثلاث عشرة وسبعمائة رغب الناس فى العمارة بديار مصر لشغف السلطان الملك الناصر بها ومواظبته عليها فكأنما نودى فى القاهرة ومصر  ألا يتأخر أحد من الناس عن إنشاء عمارة وجد الأمراء والوجهاء والجند والكتاب والتجار والعامة فى البناء وصارت بولاق حينئذ تجاه بولاق - بولاق الدكرورى، يزرع فيها القصب والقلقاس على ساقية تنقل الماء من النيل حيث جامع الخطيرى الآن».
 
شأن «السلطان أبى العلا» شأن أى ولى من محاربة أهل الجهل، وتلك سنة الله فى خلقه ولن تجد لها تحويلا أو تبديلا، فبعضهم ادعى أنه كيماوى والبعض الآخر أغروا عليه السفهاء وحرَّضوا عليه الصبيان ليرموه بالحجارة وهو لا يزداد إلا صبرا واحتمالا حتى أظهر الله على يديه الكثير من الكرامات فآمن الناس بولايته وجاءوه معتذرين وملتمسين لبركته.
 
ومن الكرامات التى أظهرها الله على يديه أنه كان كثير التطور لا يثبت على حالة.. وكان إذا سأله أحد الناس شيئا قبض له من الهواء وأعطاه، ويكفى أنه كان رضوان الله تعالى عليه من أهل الولاية الحقة والعبادة الصادقة الذين ظهرت أسرارهم وتحدث الناس بكراماتهم حتى أصبح مقامه من يوم انتقاله إلى جوار ربه كعبة يقصدها الزوار ويحج إليها القريب والبعيد.. وقد كتب على واجهة الباب البحرى للمسجد: «قف على الباب خاشعا - صادق الظنِّ، فهو بابٌ مجـــرَّب- لقضـــاء الحوائج... ».
 
وذكرت بعض الروايات عن السلطان أبو العلا، قصصا عديدة يصعب حصرها، منها، أنه عندما قامت الحكومة ببناء كوبرى أبو العلا الشهير والذى كان يفتح يوميا بعد صلاة الظهر، جاء السلطان لأحد تلامذته فى الرؤيا وقال له اذهب للوزير الفلانى وأبلغه أن هذا الكوبرى خطر على حياة الناس فى النيل وخارج النيل، فذهب الرجل كما أمره السلطان لكن الحكومة لم تهتم حتى تم اكتشاف عيب هندسى جسيم وتم تدارك العيب بناء على ما قاله سيدنا السلطان أبو العلا.
 
وفاته
 
هناك روايات تقول إن السلطان الحسين أبو العلا، توفى أوائل القرن الثامن الهجرى دون تحديد السنة ورواية أخرى عن الإمام المناوي، تقول إن السلطان الحسين أبو العلا توفى سنة 790هـ، أى أن الروايات تعددت واختلفت ويقال إن السبب فى ذلك يرجع لسببين الأول هو أن الخطأ بدأ فى طبقات الشعراني، حيث إنه أول من أرّخ للسلطان الحسين أبو العلا، ومَن يُمعن النظر فى مقدمة كتاب المنن الكبرى للشعرانى يرى أن الشعرانى قد أشار إلى ما وقع منه من أخطاء فى حياته بل ومن الدسائس، بحسب ما قاله عديد من الكُتاب، والسبب الثانى هو أن بعض مَن انتسب إلى السلطان أبو العلا من تلاميذه بعد وفاته ضربت رقابهم بسيف الشريعة لأعمال كان السلطان بريئا منها وأطلق عليهم الناموسية؛ فكان سبيلهم هو التضليل على سيرة السلطان أبو العلا ونسبه الشريف.
 
فيما تؤكد السجلات المحفوظة فى دائرة الأوقاف والشئون الدينية بالقاهرة، أن الشيخ الحسين أبو على الشهير بالسلطان أبو العلا دفين ساحل بولاق بالقاهرة بمصر هو نفسه الشريف الحسين الأبطح بن الحسن الأبطح الأكبر بن على البدرى الوارد عنه مولده بالأبطح بمكة، وأن أباه بكّر به بعد زواجه من السيدة فاطمة الشلاء اليمانية مباشرة، وقد كان زواجهما سنة 617هـ، وبذلك يكون مولد السلطان الحسين الأبطح أبو العلا فى سنة 618هـ وورد عنه تربية عمه السيد البدوى له وقصته المشهورة فى جرحه لعمه البدوى بالموسى بالأبطح.
 
وذكر عنه أنه رثى عمه البدوى عند وفاته بقصيدة، وأقرت بذلك نقابة السادة الأشراف بمصر منذ القدم وكذلك أقرته رابطة الأشراف بالأردن ونظارة الأشراف ببيت المقدس، وورد ذلك بكتابى «نور الأنوار، والوصاف المبين» للعلامة حسين الرفاعى رئيس رابطة الأشراف الكبرى العالمية بمصر سنة 1355 هـ، وكتاب «دوحة الحسينيين» للنسابة عيسى محسن خليل الحسينى، وكتاب «نيل الخيرات الملموسة بزيارة أهل البيت والصالحين بمصر المحروسة» للدكتور سعيد أبو الإسعاد، وقد ثبت ذلك فى كتاب أهل البيت فى مصر للشيخ عبدالحفيظ فرغلى على قرنى ص108-116، نقلا عن ترجمة ذكرها الشيخ سليمان أبو اليسر إمام مسجد السلطان أبو العلا، نقلا عن الشيخ محمد على منصور الأقدمى حفيد السلطان أبو العلا الحسيني، وبما أن السلطان الحسين الأبطح أبو العلا عاش 120 سنة، كما ثبت ذلك فى المراجع، فإن تحقيق تاريخ وفاته يكون سنة 738هـ.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق