القمح ليس الليلة

الإثنين، 10 يوليه 2017 09:00 ص
القمح ليس الليلة
حمدى عبدالرحيم يكتب:

يتحسس الذين يعيشون تحت خط الفقر وفوقه وأمامه وخلفه وعن يمينه وعن شماله، بطونهم عندما تأتى سيرة رغيف الخبز، هؤلاء يفارقون الأمم ولا يتحدثون أبدًا عن الخبز، إنهم يتحدثون دائمًا عن «العيش» والفرق بين «الخبز» من خَبَزَ، والعيش من عاش، جد كبير، بل جد خطير، وقد عاد سابقو الذكر إلى تحسس بطونهم مجددًا عندما وصلهم صوت معالى وزير التموين الدكتور على المصيلحى وهو يقول فى مؤتمر له أقيم منذ أيام: «هناك 84 مليون مستفيد من الخبز المدعم فى مصر»

 

مشيرا إلى أنه لا توجد دولة فى العالم سوى مصر، تنتج رغيف الخبز بسعر 55 قرشا للرغيف وتقدمه لمواطنيها بـ5 قروش فقط».
 
سابقو الذكر يخافون عندما تأتى سيرة العيش لأنهم يعرفون أن وراء الأكمة ما وراءها، ولأنهم بحكم خبرة السنين يعرفون أن أول الرقص «حنجلة»، فهل تتحنجل الحكومة الآن لكى ترقص على أشلاء الرغيف غدًا ويبدأ تحرير ثمنه أسوة بتحرير سعر الجنيه؟
 
هل يدرك السيد الوزير أن الكلام عن العيش تحديدًا هو دخول فى حقل ألغام؟
 
هل نسى معالى الوزير سريعًا أن القيادة السياسية قد تحركت لتصلح آثار تصريحات وقرارات له كانت تحوم حول حمى الرغيف وتوشك أن تسقط فيه؟
 
ثم مَنْ الذى قال لمعاليه إن 84 مليون مواطن يستفيدون من الخبز المدعوم؟
 
من أين جاءه هذا اليقين؟ هل من تفريغ «فارغ» لأرقام ميتة باردة تدور حول مستحقى الدعم؟
 
ما قول معاليه لو أقسمت له بالطلاق والعتاق أن دائرة معارفى، وكلهم ليسوا من الأثرياء، مضت عليهم سنوات لم يشاهدوا الرغيف المدعوم؟
 
هذا الرغيف المدعوم هو حقيقة، ولكنه حقيقة متواضعة، ثم نفخت فيه فنون الدعاية فأصبحت حقيقته متضخمة متورمة مثل تنين الأساطير.
 
على معاليه قبل أن يخوض فيما بقى للناس من قوت أن يقول أرقامًا حقيقية قابلة للتصديق، وعليها نبدأ العلاج، هذا إن كنا جادين فى الخروج من دائرة الخبز الجهنمية.
 
كم ننتج من القمح؟
 
ليس هناك رقم معتمد واضح ومحدد، هناك أقاويل يرمى بها المسئولون، والذى لا تعجبه أرقامهم فليبحث هو بنفسه!
 
الرقم الأول قاله مسئول بوزارة الزراعة: إنتاجنا من القمح يبلغ 9 ملايين طن، ونستهلك 15 مليون طن.
 
الرقم الثانى قاله وزير التموين السابق خالد حنفى، وقد قاله تحديدًا فى يوم 26 مايو 2016: « إن حجم استهلاك المصريين من القمح يبلغ 20 مليون طن سنويا، وذلك وفقا لاحتياجات القطاعين الحكومى والخاص لإنتاج رغيف الخبز والمعجنات والمخبوزات والمكرونات وغيرها من المنتجات»
 
ولم يذكر معاليه شيئًا عن الإنتاج المحلى، بين الرقمين فجوة مرعبة لا يصح ملؤها بالتصريحات المرتبكة التى تعقّد المشكلة ولا تقدم لها حلًا، الواجب الآن على معاليه أن يعترف بأن أزمة الخبز قديمة جدًا ولم تفلح عشرات الوزارات فى حلها حلًا جذريًا.
 
فعن التاريخ أنقل: «شهدت بداية عام 1941 أزمة حادة فى السلع التموينية، وبدأت طوابير الخبز، وكان الناس يهجمون على المخابز للحصول عليه ويتخطفون الخبز من حامليه، وأوشكت الأزمة أن تصل حد المجاعة، وقد لقى مواطنون فى المنصورة وأسيوط مصرعهم أثناء محاولتهم الحصول على الخبز، وعجزت وزارة حسين باشا سرى عن مواجهة الموقف فقدمت استقالتها، وبعدها جاءت حكومة النحاس باشا بعد حادث 4 فبراير الشهير، فكان أول شرط للنحاس باشا لقبول تولى الوزارة أن تملأ بريطانيا العظمى المستودعات المصرية بالدقيق!
 
وبعدها سيغنى الأستاذ عبدالوهاب أنشودته الرائعة «القمح الليلة»، ولكن من الواضح أن تلك الليلة الموعودة لم تأتِ بعد. 

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق