قمة العشرين.. صعود روسيا وتراجع أميركا

الأربعاء، 12 يوليه 2017 04:45 م
قمة العشرين.. صعود روسيا وتراجع أميركا
د. مغازي البدراوي يكتب:

عندما قررت واشنطن والدول الغنية طرد روسيا من مجموعة السبع الكبار عام 2015، صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين آنذاك بأن هذه المجموعة لا تهم روسيا في شيء، لأنها أشبه بمنتدى تديره واشنطن لحسابها الخاص، وصرح بوتين آنذاك بأن اهتمام روسيا سيزداد بمجموعة العشرين التي تشكل بالفعل قوة سياسية واقتصادية ذات ثقل عالمي ولها دورها الفعال على الساحة الدولية، وقد عكست قمة العشرين الأخيرة في هامبورغ الألمانية بروز واضح للتواجد والدور الروسي.

وفي نفس الوقت شهدت تراجعاً واضحاً لتواجد وفاعلية الولايات المتحدة، كما شهدت أيضاً صداماً جماعياً مع السياسة الأمريكية، خاصة في مواقف الدول مجتمعة من اتفاقية المناخ التي رفضتها واشنطن وحدها ووافق عليها الجميع، وكذلك في السياسة الحمائية في التجارة العالمية التي تبنتها واشنطن ودافعت عنها بينما رفضتها باقي الدول، الأمر الذي جعل بعض المحللين والمراقبين يرى في مشاهد هذه القمة تراجعا واضحاً للهيمنة الأمريكية، حيث  لم يسبق أن واجهت واشنطن مثل هذا الإجماع ضدها في المحافل الدولية.

وكتبت صحف روسية تقول: «لقد أصبحت قمة مجموعة العشرين في هامبورج شاهدا جديدا على فقدان الولايات المتحدة دور زعيمة العالم رغم أن هذا يحدث برغبة وإرادة البيت الأبيض والشعارات الحمائية التي تطرحها الإدارة الأمريكية». ولقد حاول الرئيس الأمريكي ترامب أن يخفي هذا التراجع الأمريكي بتغريدة على تويتر قال فيها: «قمة العشرين هي نجاح كبير للولايات المتحدة».

وأوضح هذا النجاح بأنه «كان على واشنطن تصويب عدد كبير من العلاقات التجارية السيئة، وقد فعلت هذا». لكن ترامب لم يشرح موقف الولايات المتحدة من رفض جميع الدول لموقفها، ولم يشرح عزلة بلاده بسبب رفضها الانضمام إلى اتفاقية المناخ وإعلانها السياسات الحمائية التجارية، ولم يشرح ترامب للشعب الأمريكي أسباب عزلة ومخالفة أمريكا للعالم.

هذا كله في الوقت الذي أيدت روسيا اتفاقية المناخ وأعلنت رفضها للسياسات الحمائية الأمريكية، ولم يجامل الرئيس بوتين ترامب في أول لقاء لهما، بل كان حاداً معه، مما اضطر ترامب إلى فتح موضوع التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية في حواره مع بوتين، وهو الموضوع الذي ليس له أية صلة باجتماع مجموعة العشرين.

وقد جاء في البيان الختامي الصادر عن القمة بأن جميع البلدان المشاركة في القمة تنوي «الحفاظ على انفتاح الأسواق» و«مواصلة محاربة الحمائية». وهذا يصطدم ويتعارض مع سياسة ترامب، التي ترفع شعار «أمريكا أولا».

ورغم هذا كله اضطر الرئيس الأمريكي ترامب للتوقيع على البيان الختامي لقمة مجموعة العشرين، الذي تضمن التأكيد على ما رفضته واشنطن، وكتبت صحف غربية تقول أن الرئيس الفرنسي الشاب إيمانويل ماكرون هو الذي أقنع الرئيس ترامب بتوقيع البيان الختامي، مما زاد من تراجع هيبة الولايات المتحدة ومكانتها، واعتبرته صحف أمريكية إهانة للرئيس ترامب ولأمريكا.

كما وصفت صحف أمريكية لقاء بوتين وترامب، بأنه كان أشبه بلقاء التلميذ بالأستاذ، حيث مد ترامب يده مرتين لمصافحة بوتين، ولم يمد بوتين يده ولا مرة، وركزت صحف أمريكية مناهضة للرئيس ترامب، على صورته وهو يمد يده لبوتين وبوتين لا يمد يده، ونشر الصورة بالطبع مقصود كإهانة لترامب، لأن بوتين في الواقع مد يده لمصافحة ترامب، لكن الصورة لم تعرض ذلك، وهذا يعكس إهانة أميركا وتراجعها.

من جهة أخرى، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وكما كتبت الصحف الغربية والأمريكية، هو نجم قمة مجموعة العشرين، واستشهدت بعض الصحف بعدد الرؤساء الذين طلبوا لقاءات ثنائية مع الرئيس الروسي بوتين، بينما لم يطلب الرئيس بوتين نفسه أي لقاء مع أي رئيس، ولا حتى مع الرئيس ترامب نفسه، والذي تولى البيت الأبيض تدبير وإعداد اللقاء، وبادر قبل القمة بالإعلان عن اللقاء  قبل أن تعلن موسكو عنه، ولم يصل عدد الذين التقوا بالرئيس ترامب ثنائياً في القمة نصف عدد من التقوا بالرئيس بوتين، وقد كتبت الصحف الألمانية هذه الملحوظات، وأشاروا إلى دلالاتها، وقالت صحيفة «دير شبيغل» الألمانية: «في السابق كان البعض يخشى لقاء الرئيس الروسي حتى لا يغضب واشنطن، لكن الآن يبدو أن العالم تغير».

يرى بعض المحللين، أن الولايات المتحدة نفسها لم تعد تطمح إلى زعامة العالم، وذلك لأن على زعيمة العالم، أن تتحمل مسؤولية ما يحدث في العالم وتغييره، وهذا ما لم تعد الولايات المتحدة ترغب به، لأن دور أمريكا، وفق تصور الرئيس ترامب، يجب أن يكون قيادة العالم كما هو، وبدون تغيير، لكن التغيير أصبح حتمي ومفروض ومطلوب من الجميع، ماعدا واشنطن التي تشعر أن التغيير في العالم سيطيح بنفوذها وهيمنتها، ولهذا تنتشر «الروسيافوبيا» في الولايات المتحدة، وتنتشر الشعارات التي تصور روسيا العدو الأول للولايات المتحدة في العالم.

في قمة العشرين لم يتمكن أحد من إقناع ترامب بتغيير موقفه من اتفاقية المناخ، لذلك كتبت بعض الصحف تقول إن الولايات المتحدة أصبحت نوعا ما معزولة بسبب هذا الموقف، ولكن هذا كما يبدو للأسف لا يقلق الرئيس ترامب كثيرا، ربما لأنه لا يستوعب أن التجارة العالمية ومواجهة الحمائية، هما الشيئان الجوهريان اللذان يمسان فكرة وكيان مجموعة العشرين، لأن الهدف من إنشاء هذه المجموعة كان منع زيادة الحمائية في العالم.

والآن بعد أن اتفقت المجموعة على مستوى رؤساء الدول والحكومات على التوصل إلى هذا الهدف، ظهر بوتين بدور الزعيم الذي يتضامن مع الجميع ويرفض الحمائية، بينما ظهر ترامب بدور الزعيم الذي يعارض الجميع ويرفع شعار الحمائية. وهذا تحول جوهري يكرس عزلة واشنطن القادمة، وصعود روسيا على الساحة الدولية.

*متخصص في شئون روسيا وآسيا الوسطى

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق