يوسف إدريس حكاية مصرية جدا

السبت، 05 أغسطس 2017 02:41 م
يوسف إدريس حكاية مصرية جدا
مني احمد تكتب :

يمر علينا أغسطس حاملا نفحات ذكرى رحيل أمير القصة العربية بدون منازع واحد من الأعمدة الكبرى للثقافة المصرية والعربية د.يوسف إدريس، ورغم مرور أكثر من ربع قرن علي الرحيل مازال محتفظا بالصدارة ومكانة خاصة لم يستطع أحد أن يصل إليها في مجال القصة القصيرة، الأصعب كتابةً وتكنيكاً كونها حكاية في عدد قليل من الكلمات لها بداية ووسط ونهاية.

فأعطاها روحا جديدة وكان مجددا لها من حيث اللغة والمضامين نقل القصة القصيرة العربية من موقعها الصغير إلى موقعها الكبير فأصبحت قصة عالمية.

تفرد في رسم الشخصات وكأن تخصصه في الطب النفسي جعل له بصيرة تنفذ إلى دواخل النفس البشرية ليعيد قرأتها ورسمها ببراعة شديدة الوضوح معبرا عن مضمونها والتغيرات المجتمعية التي تمر بها ويعيد تقديمها في صياغة جمالية ناعمة وهي الرؤية الابداعية الواقعية المتفردة التي أحدثت ضجة في الأوساط الأدبية المصرية والعربية مع أول مجموعاته القصصية في1954أرخص ليال.

تميزت القصة عند يوسف إدريس بالواقعية والوصف وكانت انعكاس للواقع المصري فأبرز تركيب الشخصية المصرية واهتم في أعماله بحياة البسطاء والمهمشين الذين يصنعون تفاصيل الحياة اليومية فرسم لنا بانوراما تشريحية لفئات المجتمع المصري الفلاح الموظف العامل الطالب المثقف طبقة المعدومين من النساء والرجال فانتمى لمدرسة الواقعية النقدية.

وكانت الجمل الحوارية عند يوسف إدريس جزءا هاما في البناء الدرامي فاستخدم لغة حكي جديدة من تلك التي نسمعها في الشارع في المقهى في الحارة في النجع وتعامل بجرأة مع اللغة واستخرج طاقات هائلة من العامية حولها إلى عقد من الكلمات الراقية البسيطة مصدرا لنا صورة ساحرة وحالة غير مسبوقة من الإبداع السهل الممتنع المغرق في المحلية، ولذلك تأثرت كتابات إدريس بجرأة شديدة.

وكان إدريس من أكثر الكتاب ارتباطا بالشارع والمجتمع يذوب في الشخصيات فيحولها إلى شخوص تتحرك أمامنا بحرفية شديدة نشعر بها تكلمنا وتلمسنا ونحن ننتقل بين سطور القصة فتخلق صورة ذهنية تظل محفورة في الذاكرة يفوح منها عبق إبداعي خالد يخلد ساطر هذه الجمل وهو ماجعله يتخطى بموهبته، حدود المحلية للعالمية وظهر هذا بوضوح في رائعته الحرام التي تعد من أعظم الروايات العربية وتحولت لفيلم عرض بمهرجان كان السينمائي الدولي عام 1965 وأثار إعجاب النقاد وروت السيدة فاتن الحمامة بطلة الفيلم رواية تختصر مكانة هذا المبدع فقالت أثناء العرض في كان لاحظت 3 سيدات يبكين بشكل هستيري وهو ما دفعها إلى سؤال إحداهن عن سر البكاء والتأثر ببطلة الفيلم وهي من بلاد بعيدة وواقع مختلف تماما فإجابتها أن كاتب الرواية قدم الإنسان بعيدا عن ظروف الزمان والمكان وأنا تأثرت بعزيزة أكثر من تأثري بجارتي التي تقاربني في الزمان والمكان لأنني عرفت ما بداخل عزيزة وشعرت بها ورأيتها من الداخل.

تعرض الكاتب الكبير رغم مكانته ورصيده الأدبي لأرائه الجرئية ومنهجه السياسي والأدبي للتهميش وخاض معارك كبيرة أثرت عليه وقد روي الكاتب السويدي شل أسبمارك أحد الأعضاء المسؤلين عن الاختيار النهائي للفائزين بجائزة نوبل في حديث له مؤخرا أن سياسيا سويديا كان في زيارة للقاهرة واقترح على يوسف إدريس أن يقتسم جائزة نوبل مع كاتب إسرائيلي إلا أنه غضب وصرخ معلنا رفضه.

عاش أمير القصة العربية يوسف إدريس حياته يتلمس الألغام الاجتماعية والسياسية ويشخصها بطريقة إبداعية ورحل ليخلده الوجدان العربي والمصري في صفحاتة الخالدة لعقود قادمة.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق