ولا سياحة لمن تنادي!!

السبت، 05 أغسطس 2017 06:32 م
ولا سياحة لمن تنادي!!
حسين عثمان يكتب:

وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر، شطر من أحد أبيات الشعر العربي، يشيع بين الناس ويحفظوه عن ظهر قلب، قد يختلفون على صاحبه، باعتبار أنه تردد عبر عدة قرون ميلادية، على ألسنة أكثر من شاعر عربي، في قصائد مختلفة، ومناسبات أكثر اختلافاً، وكان أولهم الشاعر الجاهلي عنترة بن شداد العبسي المتوفى عام 601م، ولكن جميعهم، شعراء ومرددون، اتفقوا على معناه الواحد، فبات هو الأقرب حين نحتاج لأن نستلهم وجود شخص غاب عن الدنيا، ولكن سيرته تبقى حاضرة بما قدمه في حياته، وأحد هؤلاء دون شك الراحل الدكتور ممدوح البلتاجي، وزير السياحة بدرجة نجم، والجالس على مقعده طوال أكثر من عشرة سنوات ما بين عامي 1993 و2004، وهو بدر نفتقده دون شك ونترحم على أيامه، ونحن نرى أحوال السياحة متردية على ما هي عليه في السنوات الأخيرة.

 

وتجربة البلتاجي المميزة تشخص دائماً أمام العيون كلما مرت السياحة بأزمة، والأمر عندي يعود لخلطة سحرية كان يتمتع بها الرجل، ضمت دراسة القانون في جامعة القاهرة بمنهجه التحليلي المنطقي المنظم، وبعدها المالية والعلوم السياسية في جامعة السوربون في فرنسا، ثم الخدمة الدبلوماسية ثماني سنوات كوزير مفوض بشئون الإعلام بسفارة مصر هناك، بالإضافة إلى الحس السياسي الإعلامي المحمل بخبرات التواصل الفعال داخلياً وخارجياً طوال 11 عاماً في موقع رئيس الهيئة العامة للاستعلامات، ومعها جميعاً تنوع الثقافات والمعارف الموسوعية، تركيبة فريدة أهلته بقوة لشغل منصب وزير السياحة في عدة حكومات متعاقبة، تجاوز خلالها بنجاح واحدة من أسوأ موجات الإرهاب في التسعينيات، حين وقع هجوم غادر على معبد حتشبسوت بالدير البحري بالأقصر صباح أحد أيام نوفمبر من عام 1997، وأسفر عن مصرع 58 سائحاً من عدة جنسيات وقتها.

 

تمتع البلتاجي رحمة الله عليه فوق كل هذا بالخيال، فلم يترك شاردة أو واردة تفتح باباً جديداً للسياحة في مصر إلا وتفاعل معها بعقل مفتوح وروح أكثر انفتاحاً، ولم يقصر يوماً في التعاون مع الوزراء ذوي الصلة حتى يتحقق صالح السياحة العام، والخيال والتعاون نفتقدهما بوضوح في التعامل مع أزمة السياحة في السنوات الأخيرة، فمفهوم السياحة بكل أسف يكاد ينحصر في سياحة الشواطىء، ومعها سياحة الآثار المصرية المشهورة، أهرامات الجيزة، ومعابد الأقصر وأسوان، خنقنا أنفسنا بأيدينا قبل أن يضيق علينا الآخرون الخناق، فأصبحت صناعة بكاملها تمثل رافداً رئيسياً من روافد الدخل القومي والعملة الأجنبية، تعيش تحت رحمة رضاء الروس والألمان وآخرين في مناورات سياسية بالأساس، ويزيد الأزمة تعقيداً غياب روح العمل الجماعي عن ملف السياحة، فهي ليست مسئولية وزير السياحة وحده، وإن كانت تخصه بالأساس.

 

لا تأخذ السياحة العلاجية أي اهتمام على أجندة السياحة المصرية، والعلاج ضرورة في حياة الجميع، وتحوطنا دول عربية وأفريقية عديدة يحتاج مواطنوها لخدمات علاجية نوفرها، وترتبط بطقس تتميز به مصر على مدار العام، ومعه تقارب ثقافات يجعل ذوي الأمراض المزمنة ممن يقيمون لفترات علاج طويلة يفضلون مصر عن غيرها في الخارج، وبالطبع تكلفة هي الأقل مقارنة بالآخرين، خاصة وأن بروتوكولات العلاج في معظم الأحوال في مصر لا تقل عن مثيلاتها في الغرب، والسياحة الدينية هي الأخرى مهملة، رغم ما تتميز به مصر من مواقع عديدة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالديانات السماوية الثلاثة، ولا نذكر هنا مجمع الأديان بحي مصر القديمة إلا على سبيل المثال، ومعها تغيب السياحة الثقافية تماماً، فالقاهرة وحدها تمتاز بعدة أحياء ومناطق متخمة بكنوز تراثية عربية وقبطية وإسلامية لا يعلم أحد عنها شيئاً.

 

وعلى صعيد السياحة الفنية، فأجندة العام مليئة بمهرجانات سنوية محلية وإقليمية ودولية تقام بطول مصر وعرضها، ولكنها تمر مرور الكرام، وهذا الأسبوع يشهد ختام البطولة العربية لكرة القدم، والتي استضافتها مصر على مدار أسبوعين بالقاهرة والإسكندرية، وشاركت فيها بجانب مصر تونس والجزائر والمغرب والسودان والسعودية والإمارات والعراق والأردن، ومع ذلك لم تشهد تسويقاً سياحياً من أي نوع، وتكاد تكون أقيمت في السر، فالسياحة الرياضية مهملة هي الأخرى، وكل هذه مجرد أمثلة تؤكد غياب الخيال، وعدم اهتمام المسئولين بالعمل معاً على ملفاتهم المشتركة، أما السياحة الداخلية، فلا يقبل إهمالها بدواعي السلوك السياحي المعيب للمصريين في معظمهم، صناع السياحة عليهم واجب هنا في الارتقاء بهذا السلوك، أما وزير السياحة، فبكل أسف، لا يعلق حتى بذاكرتي اسمه، كسابقيه في السنوات القليلة الماضية، فهو الحاضر الغائب في ملف السياحة!!.

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

الأكثر تعليقا