سعيكم مشكور

الثلاثاء، 15 أغسطس 2017 04:35 م
سعيكم مشكور
حسين عثمان يكتب:

في تصنيف منظمة الصحة العالمية، تتصدر مصر قائمة دول العالم في حوادث الطرق، فبينما يبلغ المتوسط العالمي لقتلى هذه الحوادث 11 قتيلاً لكل 10 آلاف مركبة، فإنه يصل في مصر إلى 25 قتيلاً، أكثر من الضعف قليلاً، وفيما يتعلق بمعدل قسوة الحوادث، أي عدد القتلى قياساً على عدد المصابين، فإنه في مصر يصل إلى 22%، بينما لا يزيد هذا المعدل عالمياً عن 3%، أما على صعيد حوادث السكك الحديدية، ووفقاً لتصنيف معهد السكة الحديد الألماني في أحدث تقاريره العام الماضي، فإن مصر تأتي أيضاً في المرتبة الأولى، فحوادث القطارات المصرية عديدة ومتنوعة ومتكررة في متوالية زمنية حكومية طويلة ومتعاقبة، وخاصة على الخطين الأكثر إشغالاً من بين خطوط سكك حديد مصر، وهما القاهرة الإسكندرية، والقاهرة أسوان. 
 
ولأن رد فعل الدولة انحصر تاريخياً في مواساة أهالي الضحايا، وعلاج المصابين، وصرف تعويضات هزيلة وهزلية في نفس الوقت، مع إقالة وزير أو إحالة مسئولين إلى النيابة العامة أو الإدارية، فإن الحال على ما هو عليه، ومن هنا نؤكد، أن حادث تصادم قطاري القاهرة وبورسعيد المتجهين إلى الإسكندرية لن يكون الأخير، وخاصة أن الدولة لا تزال على منوالها النمطي في التعامل مع الأمر، على الأقل خلال اليومين الماضيين منذ وقوع الحادث، نعم هناك معدل عالمي مقبول لوقوع حوادث القطارات، مثلها كغيرها من حوادث النقل، ولكن الفجوة كارثية بين مصر وغيرها من دول العالم، واضعين في الاعتبار أن مصر هي الثانية مباشرة بعد إنجلترا في دخول مجال النقل عبر السكك الحديدية مع نهاية القرن الثامن عشر.
 
ما يثير الانتباه حتى الآن في الحادث الأخير، أن سائق القطار المتسبب فيه هو نفسه بطل حادث قطار خط المناشي الشهير عام 2013، والمشهور بين زملائه بفصل الجهاز الآلي المتحكم في مسير القطارات حتى يتمكن من القيادة بسرعات كبيرة، متحرراً من سيطرة أجهزة السيمافورات التي ترده آلياً للسرعات المقررة إذا تجاوزها، وهو في الأصل سائق قطارات بضائع قبل أن ينقل لقيادة قطارات الركاب، والذي أكد في تصريحاته الأولية عقب وقوع الحادث الأخير، أن أحداً لم يبلغه بتوقف القطار القادم من بورسعيد معطلاً، كما أن السيمافورات لم تعطه إشارة بالتوقف، فكان أن فوجيء بوقوف القطار في منطقة خورشيد بمدخل الإسكندرية، ولم يتمكن من التوقف قبل أن يصطدم به من الخلف، مرجحاً وجود خلل في فرامل قطاره!!.
 
مقطع ساخر مكانه الطبيعي في ملهاة مسرحية، وليس في سياق مأساة تودي بحياة أبرياء قبل أن تشرد ذويهم، الأزمة أزمة إدارة في هيئة سكك حديد مصر، المترهلة كما غيرها من القطاعات الحكومية، ودعونا نكون من القوة بأن نعترف أننا لا نملك خبرة إدارة مثل هذا القطاع الحيوي، فأجيال وراء أجيال تعاقبت على قيادته، ولم تكن النتيجة إلا فشلاً ذريعاً لم يقل يوماً عن حد الكوارث، إن لم يكن بالمسئولية المباشرة عن حوادث تركت آلاف الضحايا، فبالمسئولية غير المباشرة نتيجة إهمال الصيانة والتطوير وتفعيل تطبيقات التكنولوجيا والجودة والأمن الصناعي، القصور واضح بشأن رفع كفاءة العناصر المادية والبشرية على حد سواء، وهنا مربط الفرس إذا أردنا أن نتحدث عن توجهات الدولة نحو العمل على تطوير المنظومة ككل.
 
من صنع المشكلة لن يقدم الحل، وليست بطولة أن نسارع في الخروج من مأزق حادث خورشيد بنتائج لن تمثل إلا مسكنات تجرعناها من قبل كثيراً وطويلاً، الأزمة أكبر من هذا الحادث، وتستحق أن نأخذه مدخلاً لفتح الملف بكامله، بل وملفاته الفرعية، ومن بينها ملف الفساد، وحتى نخرج هذه المرة بتحليل فجوة للمنظومة بكاملها، تشغل فيه الجوانب الفنية المساحات الأهم، واللجوء لذوي الخبرة والتخصص في الخارج أمر مطلوب، ومعه الرجوع إلى المشروعات القومية ذات الصلة التي مثلت جهوداً لمسئولين سابقين، وأخذت مكانها بأدراج الهيئة والقائمين عليها اللاحقين، إقالة رئيس الهيئة ومحاسبة المقصرين لا تكفي، خذوا الموضوع هذه المرة بجدية، حتى لو اقتضى الأمر تعليق بعض الرحلات درءاً للمخاطر، فحياة المصريين تستحق أكثر من تقديم واجب العزاء.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق