نعم لتعديل الدستور

السبت، 26 أغسطس 2017 01:59 م
نعم لتعديل الدستور
إيهاب عمر يكتب:

حينما اندلعت الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها من جهة، والاتحاد السوفيتي وحلفائه من جهة أخرى، درست أمريكا طبيعة أنظمة الدول خارج الكتلة الغربية، ووجد خبراء الحروب الفكرية في أمريكا أن عادة الدول القوية ما يحكمها حاكم ينتمي إلى المؤسسة العسكرية، سواء بشكل مباشر، أو خرج من العمل العسكري تمهيداً للترشح للرئاسة وربما عمل في بعض المناصب المدنية تمهيداً لدفعه إلى الرئاسة.
 
ومن أجل تأليب الشعوب عبر دعاية موجهة ضد حكامها، جرى ابتكار مصطلح "الحكم العسكري"، حيث أن هذا المصطلح بكل مشتقاته لم يكن موجود حتى نهاية الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945)، حيث كان مصطلح الدولة المدنية يستخدم لوصف ما هو مضاد للدولة الدينية، وكانت الأنظمة إما حكماً دينياً أو حكماً مدنياً، فالمؤسسات العسكرية مؤسسات مدنية وليس مؤسسات دينية ورجالاتها رجال المجتمع المدني وليس رجال المجتمع الديني.
 
هذا الفصل بين ما هو نظام مدني ونظام عسكري لم يحدث إلا في بدايات الحرب الباردة، كاختراع أمريكي للترويج لـ الجنة الليبرالية التي يدعو لها الحلم الأمريكي مقابل الانغلاق والستار الحديدي العسكري الذي يدعمه الاتحاد السوفيتي في الدول الموالية له.
 
وبالتالي فإن المفاهيم السياسية التي نراها اليوم، ما هى إلا تنظير أيديولوجي لأهداف أمريكية أبان الحرب الباردة، ويمكن القول إن جميع التعريفات الخاصة بالليبرالية والعلمانية والديموقراطية خضعت عقب الحرب العالمية الثانية إلى إعادة تعريف أمريكياً، أو لنقل أمركة، تم تفصيلها خصيصا ً للحرب الباردة، ثم جرى توظيفها لما بعد الحرب الباردة.
 
ولعل أبرز المنظرين لفكرة أن الحرية والحكم السليم لهم طريق واحد هو الديموقراطية/الليبرالية/العلمانية/الرأسمالية على النمط الأمريكي تحديداً، المفكر الشهير فوكوياما في كتابه نهاية التاريخ، يلخص بجلاء تام الرؤية الأمريكية الرسمية في هذا المجال بالقول "نقطة النهاية للتطور الأيديولوجي للبشرية الذي يتمثل في عالمية النموذج الديموقراطي الليبرالي الغربي كشكل نهائي للحكم الإنساني".
 
يلاحظ في كلامه هنا "نقطة النهاية للتطور الأيديولوجي للبشرية"، أي أن الفكر البشري يجب أن يتوقف في هذه المحطة ولا يغادرها، ثم يستطرد "كشكل نهائي للحكم الإنساني " أي أنه هدف أمريكي واضح ومباشر أن يكون النموذج الأمريكي في الحكم هو المنتشر حول العالم، هكذا تتحقق الهيمنة الأمريكية عبر تحويل أنظمة الحكم في العالم أجمع إلى النمط الأمريكي.
 
إذن.. طبيعة وعقيدة أنظمة الحكم في حد ذاتها مستهدفة، ومع دولة مثل مصر، يحكمها منذ عشرة آلاف سنة رجالات المؤسسة العسكرية بشكل أو بآخر، كان يجب إبعاد الجيش عن المشهد السياسي، وتغيير طبيعة الحكم المركزي المصري الذي صنع ودافع عن هذه الدولة منذ عصر ما قبل الأسرات وصولا ً إلى ثورة 30 يونيو 2013 وما تلاها.
 
والحاصل أن الدعاية الأمريكية نجحت للأسف، وأصبح مصطلح الحاكم العسكري والنظام العسكري متداول وجزء من العلوم السياسية اليوم، ونجح عملائهم في الداخل للترويج لفكرة إبعاد الجيش عن المشهد السياسي، ووصل الأمر للذروة بأن هرول عاصري الليمون مدعى الثورية إلى صناديق الاقتراع لشرعنه 85 سنة إرهاب بانتخاب ممثلهم لمنصب رئاسة الجمهورية يونيو 2012.
 
ولأن صعود رجل من خارج المؤسسة العسكري لحكم مصر دون موافقة المؤسسة العسكرية أو يكون منتمي لدولاب الدولة المصرية هو أمر ضد حركة التاريخ، كان منطقياً أن يتآكل حكمه خلال عام على الأكثر، فما بالك لو كان هذا الحاكم جاسوس وإرهابي ومتواطئ ضد الدولة ومؤسستها العسكرية، وهكذا اسقطت ثورة يونيو هذه اللعبة.
 
ولأن الاستعمار لا يهدأ، ولأن كروته في الداخل كثيرة، ولتفهمه استحالة تغيير المزاج المصري في رؤية رجل الجيش القوي على رأس الدولة، حيث يعد هذا الأمر فخراً وطنياً لكل مصري شريف، كانت اللعبة أن يصبح هذا الرئيس ذو السجل العسكري يتقاسم صلاحياته مع رئيس وزراء من الأحزاب الهزيلة، وذلك عبر انتخابات برلمانية، وهكذا يتم ترضية الشعب بتركيبته النفسية بل وتصور أصحاب هذا الفكر أنهم هكذا سوف يتم ترضية المؤسسة العسكرية أيضاً، وهكذا تم وضع التصور النظري وبقا التنفيذ على الأرض.
 
مشروع التوريث كان النسخة الأولى من المؤامرة ولما احترق نزل الأمريكان بالنسخة الثانية إلا وهي نخبة يناير من أول نشطاء 6 أبريل والاشتراكيين الثوريين وصولا إلى التنظيمات الإسلامية وعلى رأسها الإخوان، من لم يتفهم هذه الحقيقة سوف تظل لديه علامات استفهام لا تنتهي حول ما جرى في مصر طيلة عقدين من الزمن منذ بدء مشروع التوريث عام 1999 وصولاً إلى اليوم.
 
عقب ثورة يونيو راحت فلول لجنة السياسات تتواصل مع واشنطن في زيارات مكوكية لا تهدأ من اجل دفعهم الى السلطة مجدداً، حتى لو خسر مشروع التوريث دعم اسرة مبارك فلا مشكلة فأن رجاله خاصة رجال الاعمال أصحاب ظاهرة تزاوج المال بالسلطة (البلوتوقراطيين) مستعدين لاستكمال المشروع، ومثلما وضعوا أيديهم في يد الاخوان عبر تفاهمات امنية عشية انتخابات برلمان 2000 و2005، فأن هؤلاء ليس لديهم مشكلة في إعادة تفاهمات 2005 مع الاخوان مرة اخري.
 
هذا الجناح من رجال اعمال الحزب الوطني استطاع ان يكون لديه لوبي داخل لجنة الخمسين، ولا تستغرب في ذلك فأن هذا الجناح سبق وان وضع يده في يد ثوار يناير وفي يد الاخوان ضد المجلس العسكري في المرحلة الانتقالية الاولي بل وكان بعضهم قد رتب أوضاعه مع الاخوان في سنة حكم مرسي، فلا تستغرب مطلقاً من وجود هذا التحالف الثلاثي مع بعضاً من الفلول مع بعض ثوار يناير والاخوان.
 
وبالفعل استطاع لوبي الفلول في لجنة الخمسين ان يخرج التعديل الدستوري بالشكل الذي ارادته أمريكا، رئيس يتقاسم الصلاحيات مع رئيس الوزراء، حيث خسر رئيس الجمهورية 60 % من صلاحياته، ليجرد رئيس مصر للمرة الاولي عبر التاريخ من صلاحياته في إدارة أقدم دولة مركزية في العالم.
 
وكانت اللعبة هنا ان يدفع الفلول بمرشح عسكري متقاعد، وعقب توليه الرئاسة يكلف أحد رجالات شلة التوريث برئاسة الوزراء، وهكذا تعود عقارب الساعة الى 24 يناير 2011، ويستأنف هذا الفريق عمله ويسترد سلطته كاملة.
 
وكانت رؤية هؤلاء انه هكذا تمت ترضية القوات المسلحة برئيس ينتمي الى صفوفها، وترضية الشارع الذي رفض الاخوان والثوار بثورة 30 يونيو بعودة الوجوه القديمة وترضية الامريكان ببدء لعبة التصالح مع الإسلاميين الذين لم تتلوث أيديهم بالدماء او لم يتورطوا في المذابح ضد الشعب المصري والذين سوف يقوموا لاحقاً بعمل مراجعات فكرية على نمط مراجعات الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد الإسلامية.
 
ولنتذكر الحديث المسرب للمشير السيسي عن استغرابه من التعديل الشامل للدستور من قبل لجنة الخمسين وان المطلوب كان الغاء بعض المواد التي تخدم الاخوان وضد الهوية المصرية فحسب، وفى تصوري ان مؤسساتنا الوطنية قررت عدم التراجع وتقديم المرشح الوطني الذى تطلع الشعب اليه قبل انتخابات 2014، ليس لان الموقف لم يكن يحتمل تجارب جديدة وصعود قوي سبق للشعب ان ثار عليها وبالتالي من المتوقع ان يثور عليها لاحقاً فحسب، وليس لاتصالاتهم الوثيقة مع إدارة أوباما فحسب، ولكن من اجل هدف آخر مهم هو الحفاظ على القيم الجمهورية التي جعلت هذه المؤسسة العريقة تقف يوماً ضد مشروع التوريث الملكي، والحفاظ على هيبة منصب رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة بعد العوار الذى جرى.
 
وبهذه الاجندة قررت الدولة دعم هذا الاستفتاء، لان رفضه شعبياً كانت ستفسر دولياً باعتبارها "لا" لثورة يونيو والقضاء على الاخوان، على ان يتم لاحقاً تعديل هذا الدستور او الغائه.
 
لا اخفيكم سراً اني اعتبر التعديلات الدستورية المرتقبة حال تنفيذها الان او لاحقاً، انها من بنات افكاري سواء ما قدمته من اقتراحات عبر كتاب "الجمهورية التي اريدها" او "ربيع القومية المصرية"، والمسألة لا تتعلق بشخص الرئيس السيسي، اذ طرحت هذه التعديلات قبل إعلانه الترشح للرئاسة، وسوف اواصل طرحها للرأي العام حتى لو غادر السيد الرئيس السلطة دون إتمام هذه التعديلات، فالأمر لا يتعلق بشخصه، بل بالقيم الجمهورية والطبيعة التاريخية لامتنا باعتبارها اقدم دولة مركزية في التاريخ، واعتبار ان القومية المصرية لا تقبل بهذا الهزل النيوليبرالى العفن.
 
ولا اخفيكم سراً اني كنت اثق ان الاحداث سوف تسفر عن ذهاب الرئاسة الى المرشح الوطني الذى تعلقت ابصار الشعب الى خطواته، بعد سنوات من الهوان، وان الدولة تريد ان نصوت بنعم رغم ما جرى حتى نعبر هذه المرحلة سريعاً الى انتخابات الرئاسة ليبدأ الحسم الحقيقي.
 
ويتضمن مطالبي ان تصبح فترة الرئاسة ما بين خمس الى سبع سنوات، اذ نمط أربع سنوات فحسب ليس نصاً دينياً، وهنالك دول كثيرة ولايتها الرئاسية 5 و7 سنوات، مثلما الحال في فرنسا حيث ظلت الولاية سبع سنوات ثم تم تعديلها الى خمس سنوات، وبالتالي ان الترويج للنموذج الأمريكي في الحكم ما هو الا جزء من المؤامرة على مصر سبق شرحه في الفقرات الاولي من هذا المقال.
 
كما ان بند ولايتين فحسب ليس امراً مقدساً او موجوداً في كافة دساتير العالم، هو مغرز امريكي فحسب تتم زراعته عقب كل مؤامرة كما فعلت الاوليجاركية البلوتوقراطية النيوليبرالية التي خربت الاتحاد السوفيتي ثم سنوات يلتسن في روسيا، حينما زرعت هذا البند في الدستور الروسي و اضطر قيصر الصقالبة فلاديمير بوتين ان يتبادل الرئاسة مع رئيس وزرائه، في طقس مهين لمقام الرئاسة ورئاسة الوزراء و قيادة الجيش، والمبهر ان البعض يروج لهذا النموذج المهين في مصر عقب انتخابات 2022، و ان يعمل جنرال ثورة يونيو في صفوف إدارة رئيس صوري على ان يعود للرئاسة لاحقاً !، يا لسخافة الطرح وهوان بلادنا في نظر مردديه.
 
الدستور الفرنسي لا يتضمن تحديد لعدد الولايات، القوانين البريطانية لا تتضمن نفس الامر لمنصب رئيس الوزراء الحاكم الفعلي للدولة البريطانية وقد تولي توني بلير الوزارة اربع مرات، الدستور الألماني لا يتضمن نفس الامر لمنصب المستشار الحاكم الفعلي للدولة الألمانية وقد تولت انجيلا ميركل المستشارية ثلاث مرات وتترشح سبتمبر 2017 للولاية الرابعة، كذا الحال في اغلب الدول الجمهورية، فلما التماهي مع المؤامرة الامريكية الداعية لفرملة صعود قيادات قوية في الدول التي تستهدفها المؤامرة وهل اصبح تطهير الدستور من المواد التي لا توائم مع الهوية المصرية امراً مرفوضاً اما ماذا ؟؟
 
كما يجب ان يسترد حاكم الدولة المصرية صلاحياته كاملة، حيث اثبتت التجربة ما بين عامي 2014 واليوم فشل تجربة تقاسم الصلاحيات بين الرئيس ورئيس الوزراء ورئيس البرلمان، وعرقلت قرارات شتى تتعلق بالأمن القومي المصري، وبالمثل فان المادة التي وضعت لتحصين وزير الدفاع خوفاً من نجاح المؤامرة في الوصول للرئاسة ثانية عام 2014 يجب ان يتم الغائها بعد ان نجحنا في تثبيت دعائم الدولة المصرية عبر وصول المرشح الوطني للرئاسة بالفعل.
 
ويجب الإشارة هنا الى ان التحالف إياه لم يصمت بعد تولى السيسي الرئاسة، وقد حاول ان يظفر بأغلبية برلمانية تكفل له حق تشكيل الوزارة، وقد حذرت من هذا الامر في مقال بجريدة الشروق بعنوان " صراع الكواليس.. تحالف أمريكي بين الفلول والإخوان لضرب السيسي" بتاريخ 10 ابريل 2014 قبل تولى الرئيس الحكم، وبالفعل نجحت الدولة في تجنب هذا السيناريو الكارثي.
 
وفى صيف 2015 جرت اتصالات أمريكية وبريطانية وقطرية وتركية مع بعض اجنحة الاسر الحاكمة في بعض الدول العربية من اجل الترويج لنفس المخطط ولكن على النمط الثوري، أي افتعال ثورة في الشارع ينتج على أثرها تولى عسكري متقاعد الرئاسة ومعه رئيس وزراء من الفلول مع فك الطوق عن رقبة تنظيم الاخوان الإرهابي، وكانت الدعوة لتظاهرات 30 يونيو 2015 ثم يناير 2016 ويونيو 2016 هي ابنة هذه المؤامرة.
 
ولم تهدأ تلك الاتصالات الا بوصول الرئيس دونالد ترامب للبيت الأبيض، حيث اغلق قنوات الاتصال مع تميم بن حمد واردوجان حول استبدال الرئيس السيسي، بل ولم تكن أمريكا بعيدة عن عملية اقالة محمد بن نايف ولى العهد السعودي المعزول، فالاخير كان من مهندسي لعبة تحويل قبلة الرياض الى انقرة بدلاً من القاهرة ومنسق رئيس مع تميم واردوجان في لعبة استبدال السيسي بثورة شعبية او عبر الانتخابات.
 
والمؤامرة مستمرة.. صحيح ترامب اخرج البيت الأبيض من اللعبة ولكن عواصم أوروبية بالإضافة الى تركيا وبعض القوى داخل مصر تسعي الى المحاولة عبر انتخابات الرئاسة 2018، ومعهم قطيع من الاخوان ونخبة يناير ورجال اعمال الحزب الوطني وفلوله الاوفياء، لذا فأن إعادة انتخاب الرئيس السيسي وتعديل الدستور حتى نسترد هويتها القومية عبر لفظ البنود الامريكية هو أكبر تأمين لبلادنا من تلك المؤامرة.
 
واقترح ان يبدأ البرلمان فوراً مناقشة هذه التعديلات، وان يتم الاستفتاء عليها مع انتخابات الرئاسة في يوم واحد، حتى نغلق ملف شلة التوريث بشكل نهائي بعد قرابة العقدين من لعبهم أدوار رئيسية سرية او علنية على مسرح الاحداث المصرية كما انه لا يوجد أفضل من سنوات ترامب للتحرك بحرية في هذه الملفات بعيداً عن الضغوط الامريكية التي جرت في سنوات بوش الابن واوباما للحفاظ على مكتسبات المؤامرة.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق