إبحارٌ في عقلٍ مسلوب

الثلاثاء، 12 سبتمبر 2017 02:33 م
 إبحارٌ في عقلٍ مسلوب
حاتم العبد يكتب :

في خلسةٍ من المتطلبات الأكاديميَّة وفي هدنة من النزعة البحثيَّة، وبعد إذن مسبق من الواجبات العائليَّة، وفي برهة راحة من الالتزامات الأدبيَّة ؛ قرَّرت القيام برحلة استكشاف، ولكوني ممن يعشقون ارتياد المجهول، ويتحسسون الطرق المظلمة، قررت الإبحار في عقلٍ مسلوب ؛ ولربما اكتشفت بعد ذلك أننا من فرَّطنا في هذا العقل.
 
أعددت العدُّة وتهيئت لعبور البحر، اِحترت في أي اتِّجاه أبحر ومن أي شاطئ أبدأ. استقرَّ أمري على البدء من الشاطئ المظلم، وأبحرت السفينة...
 
الإبحار لم يكن سهلٌ ميسور كما يتوقَّع البعض ؛ فالبحر هائجة هي أمواجه، والرياح في توصيفها الأدنى عاتية، والدنيا ظلام دامس، ثمّة صعوبة في التحرُّك، فالمياه أحيلت إلى مستنقع من الدماء المتجلطة، والرائحة منفِّرة، والرؤية معدومة، ووابل الرصاص من كل جانب، لا أشتم غير رائحة الرصاص، والمفرقعات، انتابني الخوف، تملكني الفزع، عدت بالذاكرة لأحاسب نفسي وظننتها اللحظات الأخيرة !! 
 
أرمق بعيني يمينًا ويسارًا فلا أَجِد بصيص أمل ولا بارقة نور، ولم أَجِد سفينة أخرى تبحر معي، دلّ على ذلك غياب صيحات الاستغاثة أو لربما علا صوت الرصاص والمولوتوف والمفرقعات عن أن أسمعها ؛ فلم أطلق أنا بدوري أي استغاثة، وليقضي الله أمرًا كان مفعولًا (الانقياد). 
أحدِّث نفسي، أتلك هي إجازة العام المنصرم، أهذا هو الهدوء المنشود ؟!
 
ظللت طيلة سبعة أيام أصارع الموت، موت خنقًا بكريه الرائحة، أو ضجيجًا بصوت الرصاص والقنابل، أو رعبًا من المشهد بأسره... 
استسلمت جفوني للنوم أو ربما للموت...
 
في صبيحة اليوم التاسع وجدت شعاع نور يقول على استحياء أنا شعاع الشمس، لكن دفئه عجز عن أن يداوي قارصيَّة برد الأسبوع المنصرم، ونفضت الغبار والقصدير والمعادن المترسِّبة من على عيناي، وبإرادة متعلِّقة بالحياة وبفطرة بقائيَّة، لمحت على مرمى البصر سفينتان إحداهما تصارع الأمواج، كُسر شراعها والأخرى معدَّة ومجهَّزة لمثل تلك ظروف إبحار؛ شاهدت شدٍ وجذبٍ، مناقشات ومفاوضات، تلويح بالأيدي...
 
ظللت على هذا الحال طيلة يومين كاملين، خلالهما بدأت التحرُّك البطيء بشق الأنفس، ومع اِشتداد أشعة الشمس، والسكون النسبي لصوت الرصاص، بدأت أذناي في سماع أصوات غير مفهومة، ولغة غير معلومة، ورصدت عيناي الشخوص بالمراكب التي أرْقبها، وجدت في المركب والتي كُسر شراعها شاب يبدو من هيئته أنِّي أعرفه، غالب الأمر أنَّه مصري، أما المركب العملاق الأخرى فلم أتعرَّف على من بها ورغم علو صوتهم لم أستطع فهم لغتهم رغم كوني أجيد التحدُّث بأكثر من لغة ؛ انتهى الأمر بأن اِستحوذ واستقطب ربان السفينة العملاقة ذات اللون الأسود القاتم والصوت العالي المنفِّر على المركب الصغير مهيض الجناح (الاستقطاب)...
 
دبَّت الحياة في أوصالي مرة أخرى، وعزمت على كتابة مقال بما شاهدت لو كتب الله لي النجاة... 
 
بصعوبة بالغة، وجهد لم أعهده على نفسي، استطعت التحرُّك والتقدُّم نحو الأمام، ولئن بقي التقدُّم جدّ متواضع، في اليوم العاشر، وجدت مركبًا شراعيًّا بها شاب عشريني أو أقل بقليل ؛ وجدته فاقدٌ بوصلة الاتِّجاه، متخبِّط في وجهته، استوت لديه النتائج، يمينه مثل يسراه، خلفه مثل أمامه، فوقه مثل أسفله (التيه)...
حاولت جاهدًا التوجُّه إليه، والحديث معه، وصوبت شراعي ووجهة مركبي نحوه، لكن كانت السفينة العملاقة والتي ظللت أرْقبها طيلة اليومين الفائتين أقرب إليه مني، واستدرجته إلى منطقتها العتمة المظلمة. 
 
في نهاية اليوم العاشر ؛ سطعت الشمس، وتنسَّمت عليل البحر، وانقشعت غمَّة الأيام الفائتة وتبدَّد الخوف، ووجدت مراكب شراعية كثيرة كل من بها من الشباب ؛ اقتربت منهم ورويت لهم ما عانيته في رحلتي، وقبل أن أنصحهم بألّا يسلكوا الطريق الذي أتيت منه لوعورته، وخطورته على حياتهم ؛ بادروني جميعًا ولما أتيتنا منه ؟! ألم نكن على الشاطئ الآخر ؟! إذن فهذا اختيارك !!
 
حاولت إقناعهم أنِّي ضللت الطريق ؛ وكان يتوجَّب عليَّا الإبحار في شاطئهم لكن منهم من اقتنع ومنهم من لم يقتنع (الإشعاع)...
 
جلست أحاسب نفسي، عن مخاطر الرحلة، وما الذي حدا بي بتلك المغامرة ؛ فما استهلكته من جهد ووقت، وما تعرضت له من مخاطر على مدار العشرة أيام، حققت أضعافه في دقائق على الشاطئ الآخر، رغم كونه نفس البحر...
 
إن هي إِلَّا لحظات حتى دقّ جرس المنبه معلنًا بدء يومٍ جديد ؛ لأقول لنفسي متثائبًا كان ينبغي عليَّا أن أذهب إلى شاطئ الشباب، حيث الأمن والأمان والأمل والغد المشرق...
 
ما مررت به من مراحل تمثِّل مراحل تكوين الإرهابي ؛ فتنتهي بالانقياد وإلغاء العقل، تسبقها مرحلة الاستقطاب وما تحويه من مفاوضات وشدٍ وجذبٍ وغسيل مخ، تسبقها مرحلة التِّيه، انعدام الرغبة واستواء المصير، ويسبق كل ذلك، شمس سطوع، نسيم عليل، بسمة ترتسم على الوجوه، أمل يحدو الجميع، مستقبل وجب أن يكون مشرقًا...
 
بيدنا نحن أن نختار أي الاتِّجاه نسلك وبأي مركب نبحر ومن أي شاطئ نبدأ...                        
 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق