القوة الناعمة

السبت، 23 سبتمبر 2017 01:24 م
القوة الناعمة
شيرين سيف الدين تكتب:

أصبح التطرف في مجتمعنا هو السمة الغالبة سواء بالإرهاب والتشدد وتعقيد الدين على غير الحق ، أو بالانفتاح الزائد  والانحراف وعدم الالتزام بالقيم الدينية ولا الأخلاقية ، ويأتي هذا التطرف في ظل انشغال أغلب الآباء والأمهات عن تربية أبنائهم التربية القويمة ، وعدم إهتمام المناهج الدراسية بالتقويم السلوكي ، وأيضا انتشار الأعمال الفنية الهابطة ، فكما انتشرت المخدرات الجسدية فقد انتشرت للأسف مخدرات فكرية وثقافية على حد قول الرائع يوسف إدريس ، فهذه المخدرات تشاع في الجو باسم الفكر والثقافة والفن ، فتغيب الأبصار وتكاد تعمي العقول ، ونفس المخدرات أصبحت تشيع باسم الدين والدين منها برئ ، ولا يختلف مروج الخزعبلات الدينية عن من يحول الفن الى كباريه يخل بالقيم ويتدنى بالمستوى الأخلاقي والفكري .

إن القوى الناعمة تعد من أهم وسائل العلاج فالأعمال الفنية الهادفة باختلاف أنواعها تعد عنصرا مؤثرا بشكل كبير في تكوين الوجدان ، وتعديل السلوك ، ففي زمن كانت الأعمال الفنية المحترمة والراقية هي الغالبة ، كان السلوك المجتمعي المحترم والراقي هو أيضا الغالب ، فمجرد الانفصال عن الواقع بمتابعة عمل فني هادف ذي رسالة بسيطة وأسلوب سهل يؤثر في سلوك الانسان وقد يعدل من تصرفاته ، وقد يكون لسماع مقطوعة موسيقية راقية أشد الأثر في الهدوء النفسي والسمو الروحي للشخص مما يجعل تعامله مع محيطه أعقل وأعمق وأكثر تهذيبا ، كما أن البرامج الثقافية والدينية الهادئة والهادفة والمدروسة بعناية من أهم أدوات تقويم  المجتمع .

للأسف أضحى الشباب يفتقد القدوة فهو إن أراد أن يرتقي بفكره بمشاهدة مسرح أو سينما أو سماع أغنية لم يجد أمامه ما يرقى به بل أصبح الغالب هو الانحطاط ، وإذا ما رغب بأن يفلت بجلده ويولي وجهه في الناحية الأخرى ناحية التقرب لله لم يجد أمامه سوى أناسا مسخوا الدين وحولوه بحسب أهوائهم بدلا من التأكيد على أسسه الإنسانية والأخلاقية القويمة .

لا أدري لماذا لا تهتم وزارة الثقافة بإنتاج أعمال فنية راقية وأعمال دينية ضخمة ؟ ولماذا لا تهتم بإقامة ندوات ثقافية ودينية وعمل أمسيات شعرية وفنية دورية في جميع أنحاء الجمهورية حتى في القرى والنجوع لنشر الأفكار القويمة ،  على أن تتناسب في أسلوبها مع كل منطقة وكل جمهور فتصل في النهاية للهدف المنشود ؟ 

  إن الثقافة ليست ترفا عقليا بل ضرورة بشرية يجب على الدولة تنميتها والاهتمام بها بكل ما أوتيت من قوة ، فمصر كانت دائما منارة الثقافة والفن والعلم والدين في آن واحد ، ونتمنى أن تظل للأبد .

نحتاج بشدة للإرتقاء بالمجتمع وأبناءه وسلوكهم وفكرهم ، والخروج من بوتقة أن العشوائيات السكنية والفكرية واقع مسلم به ، فنحن نعلم أنه واقع لكنه واقع مرير لا نتمنى استمراره أبدا ، ولا نتقبله ولا نسعد به ، وها قد بدأت الدولة في نقل البشر كأجساد لمناطق آدمية ، لكن يظل الحلم الأكبر في نقلهم كعقول لمناطق أرقى وأعلى فكريا وشخصيا .

إننا اليوم في أشد الحاجة لإنقاذ وعي المواطن المصري بالتصدي للمغيبات التي تشل عقولنا وتشيع الفوضى في حياتنا اليومية وتبيد حضارتنا .

بالتأكيد نحن نمتلك إمكانيات النهوض لكن هل لدينا الهمة ؟ ياترى هل من مهتم بالتحرك للإنقاذ اليوم وفورا وليس غدا ؟ لأن الصمت على هذه النار التي تحرقنا وتجتاح وجودنا ومستقبلنا جميعا يعد جريمة كبرى في حق هذا الوطن العريق.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق