لماذا نجحت اليابان؟

الإثنين، 09 أكتوبر 2017 07:09 م
لماذا نجحت اليابان؟
عبد الحليم محمود يكتب

قد يتساءل البعض لماذا نجحت اليابان؟ سؤال أجاب عنه الدكتور تاداؤ أوميساؤ الباحث المتميز في الحضارات المقارنة بكتاب "كينتشي أونو" فقال إنه لا يوجد غموض هنا فمن وجهه نظره أن اليابان قد أصبحت دولة صناعية بشكل طبيعي جدا، وأن الرؤية التقليدية لليابان كدولة متخلفة هي نظرة خاطئة وهي نموذج عميق وفريد في التاريخ، حيث توجد على الحدود الغربية للقارة الأسيوية وتتمتع بمناخ معتدل والأكثر أهمية أنها كانت معزولة نسبيا عن الغزوات والحروب العنيفة من جانب الشعوب البدوية في وسط آسيا.

 

ويرى أن المزايا الجغرافية والمناخية من العوامل الحاسمة في التطور التلقائي والمستمر للمجتمع، كما أن اليابان تقع على مسافة مناسبة من الحضارات في آسيا مثل الصين والهند والشرق الأوسط "الاسلام"، ويقول لقد استطاعت امتصاص الإنجازات الثقافية لهذه الحضارات عندما تعرضت للغزو أو الاحتلال بمزج الثقافة الداخلية مع التأثير الأجنبي بشكل دقيق ثم يقول لقد تطورت اليابان وغرب أوربا وبشكل مستقل ومتوازي تحت هذه الظروف المتشابهة من الإمبريالية إلي الإقطاع إلى الحكم الاستبدادي وصولا إلى الرأسمالية.

 

وليس من المصادفة أن الثورة الصناعية قد ظهرت في بريطانيا وأن الدولة الوحيدة غير الأوروبية التي انتقلت إلى التصنيع مثل الغرب هي اليابان، ويكمل قائلا: لقد أنتجت حضارات المسلمين إنجازات ثقافية عظيمة، ومع ذلك ظلت البنية الاجتماعية ساكنة، وأن الذين تولوا الحكم هم فقط الأباطرة والمستعمرون ومن حاكم إلى حاكم لم يكن هناك تقدم واضح سواء على المستوى الاجتماعي أو السياسي.

 

إن إجابة الدكتور تاداؤ أوميساؤ على السؤال لماذا نجحت اليابان؟ ترد في ذات الوقت على السؤال التالي لماذا تراجعت مصر اقتصاديا؟ وذلك حين أشار إلي الاستعمار وفي ذلك جزء من الحقيقة حين تتكلم الحقائق والأرقام.

 

خلال الحرب العالمية الأولى وحتى عام 1916، كانت العملة المتداولة  في مصر هي الجنيه الذهب ثم صدر قرار الحكومة البريطانية "المحتلة" للحكومة المصرية بسحب العملة الذهبية بمجرد وصولها إلى البنوك واستبدالها بعملة ورقية، حيث تم سحب مبلغ خمس وثلاثين مليون جنيه ذهب تم تصدير 80% من تلك المبالغ إلى الحكومة البريطانية، وكان القرار ينص علي الاحتفاظ بنسبة 20% كاحتياطي بالبنك المركزي المصري، إلا انه من حيث الواقع تم الاحتفاظ باحتياطي 5% فقط وذلك طبقا لتقارير البنك المركزي المصري ومعظم هذه الأموال قامت بريطانيا العظمى بتوزيعها علي الشريف حسين" الهاشميين" وآل سعود لتشجيع الثورات العربية ضد الدولة العثمانية.

 

 خلال الحرب العالمية الثانية فإن التقدير العشوائي لتكلفة حركة الجيوش البريطانية في مصر من حيث استهلاك السكك الحديدية والموانئ والمطارات والغذاء والأقمشة والأحذية بالإضافة إلى المبالغ النقدية التي حصل عليها الاحتلال البريطاني من البنك المركزي المصري طبقا للتقرير رقم 50 الصادرة عن لجنة الشؤون المالية التابعة لمجلس النواب المصري في عهد حكومه الوفد سنة 1951 هو مبلغ أربعمائة وثلاثون مليون جنيه إسترليني تم تسوية الدفعة الأولى منه بموجب اتفاقية عام 1948 علي أساس سداد مبلغ150 مليون جنيه إسترليني، ثم الدفعة الثانية عام 1949 بمبلغ 80 مليون جنيه إسترليني، وعند قيام ثورة 23 يوليو سنة 1952 كان المتبقي مبلغ 135 مليون جنيه إسترليني تم التفاوض بشأنه في تعويضات حرب السويس، وأن تلك الديون المستحقة لمصر على الحكومة البريطانية لم تسدد نقدا بل تم استيراد بضائع بمقابلها وبالسعر الذي حددته الحكومة البريطانية.

 

الثابت من تقارير اتحاد الصناعات المصرية سنه1948 أن عدد البنوك المسجلة في مصر 26 بنك يخص المصريين 16 بنك ومن حيث الواقع كانوا ملكية أجنبية، عدد 14 بنك مسجلة للأجانب ما بين بنك بلجيكي، ويوناني، وفرنسي، وألماني، وإنجليزي، وبالنسبة لبنك مصر كانت النسبة من 30% إلى 37% ملكية أجنبية، والبنك العقاري المصري ملكية فرنسية، بنك التسليف الزراعي ملكية سويسرية، عدد  16 شركة لتداول الأوراق المالية ملكية أجنبية بنسبه 100%، شركات التصدير ملكية أجنبية ما عدا شركتي "فرغلي، وعلي أمين يحي" وكانت لا تزيد نسبتهما عن 8% والباقي للأجانب.

 

الإشراف علي التلغراف، والإذاعة المصرية، والتجارة، ومواد البناء، والأخشاب، والورق، والأصباغ، والمواد الكيمائية، والأدوية، وأدوات النقل، والأسمنت، والكتب، ورخص صيد الأسماك، والعقارات، والتخزين، والتبريد، والسفن، وتنظيم الأسواق تتولاه شركات إنجليزية تدفع الضرائب والأرباح لخزينة بريطانيا، والمقاولون المسجلون لدي وزارة الأشغال العامة المصرية عددهم 102 منهم 12 مصريا والباقي مقاولون إنجليز، شركات التوزيع الداخلي شيكوريل، وصيدناوي، وبنزيون شركات فرنسية.

 

ثم تأتي معاناة الفلاح المصري لتوزع الأراضي الزراعية منح وعطايا فالملك فاروق يمتلك مليون فدان والأسرة الحاكمة تمتلك مليون فدان والباشوات يمتلكون مليون فدان، والشركات الأجنبية تمتلك مليون فدان، والمصريون جميعهم يمتلكون مليون فدان وحتى لا نظلم مصر أو نظلم الحقيقة فإن الأرقام والإحصائيات تشير إلى أسباب تراجع  أحوال مصر الاقتصادية في فترة زمنية معينة وهي كاشفه للكثير من أحوالها على مختلف العصور وليس في ذلك صيغة مجاملة أو مبالغة لكنها محاولة لصياغة الحقيقة لبلد نهب على مر التاريخ ولا يزال واقفا في مواجهه التحديات.. فلا تظلموا مصر.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق