أسطورة "قائد لواء النصر"

الأربعاء، 11 أكتوبر 2017 12:31 م
أسطورة "قائد لواء النصر"
صبرى الديب

قدر لي الله أن أكون واحدًا من الصحفيين القلائل الذين كان لهم شرف البحث والالتقاء بالعشرات من أبطال مصر الذين سطروا ملحمة النصر فى أكتوبر عام 73، لأجد نفسى فجأة أمام عشرات القصص والبطولات النادرة والمشرفة التى يستحق كل منها أن يكون كتابا منفصلا، أو سيناريو رائعا لفيلم يجسد ملحمة من ملاحم بطولات المصريين.
 
فعلى الرغم من مرور أكثر من 25 عاما على تاريخ أو لقاء جمعنى به، إلا أننى مازلت أتذكر حتى اليوم كل تفاصيل لقائى بالعميد "عادل يسرى" صاحب الساق المعلقة، وقائد لواء النصر 112 مشاة ميكانيكى الذى حقق أكبر عمق استراتيجى داخل سيناء فى حرب أكتوبر، والذى سجل خلال الحرب آلاف القصص البطولية الرائعة كانت أبرزها قصته التى يجب أن تدرس تتتعلم منها الأجيال الجديد كيف يكون حب الوطن، كيف يكون انكار الذات والتفانى دون انتظار مقابل، حتى لوكان المقابل هو "الروح" فى مقابل بقاء وانتصار الوطن.
 
ففجأة وفى ووسط قف عنيف من قوات العدو يوم الـ 8 من أكتوبر فى محاولة لإيقاف تقدم اللواء 112 مشاة فى سيناء، وجد "عادل يسرى" أجهزت اللأسلكى الخاصة به قد تعطلت تمام، فى الوقت الذى كان فيه احتياطى الدبابات التابع له يقف فى وضع غير صحيح، وكانت قوات العدو قد بدأت الالتفاف من حوله، فانطلق من داخل مركبة القيادة، وبدأ فى تنظيم قواته، وتحريك احتياطى الدبابات فى وضع صحيح، وسط وابل من طلقات المدافع التى تطارده
 
فى الوقت الذى تعالت فيه صرخات الجنود "تعالى يافندم.. حاسب يافندم .. حتموت يافندم" والقائد مستمر فى تقدمه وإصدار الأوامر، وهو يصرخ فى جنوده (تحرك أنت.. اذهب أنت فى هذا الاتجاه.. احتياطى الدبابات يتجه إلى هنا) إلى أن نجح فى دقائق معدودة وسط قصف رهيب من دبابات العدو من تصحيح وضع قواته.
 
وفجأة.. وجد القائد الفاقد نفسه وسط عاصفة من الرمال نتيجة لطلقة من دبابات العدو حولت المنطقة شبه عاصفة، فى الوقت الذى حاول القائد تفادى الطلقات بإنبطاح أرضا وسط العاصفة
 
إلا أنه شعر فجأة بألم فى قدمه اليمنى.. فمد يده لتحسس الألم فلم يجد قدمه.. وظن القائد أنه وضع يده خطأ على مكان خالى، فمد يده إلى موضع الألم مرة أخرى وسط العاصفة الترابية فلم يجد قدمه بالفعل.. فأيقن أنه أصيب بطلقة دبابة كاملة تسمى "سابو" من إحدى دبابات العدو، بترت قدمه.. وفى ثوانى أيقن القائد أن قوات العدو من الممكن أن تميزه كقائد فتطلق مزيدا من طلقاتها عليه، فاستدار بجسده، وتدحرج من قمة الجبل لأسفل
 
وفى تلك اللحظات شاهده عدد من جنوده.. فأسرعوا فى اتجاهه فى محاولة لإنقاذه، وهم يصرخون "سيادة القائد.. سيادة القائد" فصرخ فيهم "كل واحد يرجع مكانه.. كل واحد يرجع مكانه.. الى بيحبنى ياخذ بتارى" إلا أن الجنود اقتربوا منه فى محاولة لإسعافه.. فما كان منه إلا أن أخرج مسدسه وصوبه تجاههم صارخا "قلت كل واحد يرجع مكانه.. كملوا مهمتكم".
 
فرجع الجنود إلى أماكنهم بسرعة، وبدأوا فى تنفيذ مهامهم التى أمر بها القائد الجريح.. وعلى مدار 8 ساعات كاملة، نجحوا فى تنفيذ أوامر القيادة، وحققوا فى ذلك اليوم 3 معجزات عسكرية لم تتكرر من قبل فى تاريخ الحروب، أولا صد الهجوم.. ثم التحول من الدفاع إلى الهجوم، فى أقل من 60 دقيقة، فى وقت لا يمكن أن يتحقق فيه هذا سوى فى توقيت لا يقل عن 7 أو 8 ساعات.
 
ومع إنهاء المواجهات هرع الجنود إلى قائدهم المصاب فى فرح.. فى الوقت الذى اكتفى فيه القائد وهو يشاهد انتصارات رجاله، بأن يمسك بحفنة من تراب سيناء يضعها على قدمه المبتورة كل فترة، إلى أن تحولت جراحه إلى كومة ضخمة من الدماء والتراب.
 
والتف الجنود حول القائد إلا أنه فى عزيمة غريبة أشار إليهم، اتركونى.. لابد أن أبدأ على الفور التنسيق مع قائدى القوات على يمينى ويسارى، وأن أنسق مع اللواء "عبدرب النبى حافظ" قائد الفرقة 16 مشاة.. وبدأ القائد العنيد فى العمل وهو مصاب حتى انتهى من كل ما أراد.
 
ونظر إلى جنوده وهو مبتسم، وقال "احضروا إلى الضابط وردانى حتى أسلمه القيادة" فقالوا: إنه يبحث عن شىء فوق الجبل مع عدد من الجنود وسط الظلام
 
وما هى إلا دقائق حتى عاد "وردانى" ومعه "قدم القائد المبتورة" فى الوقت الذى كان الجنود قد أحضروا سيارة لإجلاء القائد، ووضعوا بجواره قدمه المبتورة، ظنا منهم أن الأطباء قد يستطيعون إعادتها إليه مرة أخرى.
 
وودع قائد لواء النصر جنوده مبتسما ومتماسكا، وهو يوجه قائد السيارة فى ثبات وسط الظلام فى رحلة جديدة من رحلات البطولة.
 
تلك قصة صاحب الساق المعلقة العميد "عادل يسرى" النموذج الواضح للمصرى الحقيقى، الذى لم يسرق المال العام، ولم ينهب أراض الدولة، بل قدم وجنودة من ابطال لواء النصر أغلى ما يمكن أن يقدمة انسان على وجه الأرض، من امثال "عبدالعاطى" صائد الدبابات، و"سعيد خطاب" الملقب بـ "اللغم البشرى" وغيرهم من الأبطال.
 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق