أوبونتو

الخميس، 12 أكتوبر 2017 01:13 م
أوبونتو
هبه العدوى تكتب:

(1) 

قبل أن تغلبني الأنوثة و كعوبها العالية.. مازالت أتذكر لعب كرة القدم في الشارع مع الأولاد..

- ياااه علي إنطلاق ديه أيام..

يدافعونني وأدافعهم.. ننطلق سويا  بحثا عن الفوز.. نتقابل فقط  خلال لعب كرة القدم.. لا أدعي أنها لعبتي المفضلة فالتنس دوما كان ومازال كذلك..

لم أجد هذا الإنطلاق في البنات صديقاتي حبيباتي إلا واحدة.. فكلهن تخشي علي نفسها الإصابة.. وأنا أعشق الجري دون قيود مهما كانت حجم الإصابة وتأثيرها علي جمال ركبتي أو كدمات وجههي وهنا كان هذا الجزء منّي الذي يفضل  اللعب مع الأولاد عن البنات خاصة في تلك المرحلة العمرية..

وكيف لا وهم  لا يبالون بركبٍ ولا بحجم إصابات.. يلعبون حتي يسقطون أرضا تعباً.. حتى الآن مازلت كلما مررت بأطفال يلعبون بالكرة، أبادرهم بأخذها منهم مداعبة إياهم بسرعة ركلها وتمريرها من بين أرجلهم..

وطالما تساءلت نفسي عن سر حبي لكرة القدم تحديدا..

إنها الروح.. روح الفريق.. الجري سويا  خلف مكسب واحد لنا جميعا.. متلخصاً في إرادة واحدة  بلفظها المصري بعاميته:

-عايزين نجيب (جوون )..

مرماه واحد.. مهما إختلفت ادوار كلا منا..

 

(2)

هل يمكن أن يحرز فريقا ما (جون) دون أن يعلم أين مرماه تحديدا؟ 

هل يمكن أن ينجح فريق دون ان يعلم تحديدا  كل  فرد في الفريق دوره و يتكامل مع دورغيره  فتصير روحنا جميعا تعمل في إتجاه واحد كفريق؟

أين المرمي المصري في كل مجال؟

هل مصر مازالت روحاً واحدة؟

 

(3)

ويسألونك عن سر قوة الشعوب، فقل إنها  قوة (روح) أفرادها.. وعلو همتهم..

فلا أمة نهضت، بشعوبٍ منهزمة داخليا..

ولا يوما رأت فجرا وأناسيها يرون في إجتماعهم سويا، ضعفا وكرها..  (وفلانة بتغير مني وفلان بيحسدني.. وفلان ده تبعهم.. أما ده بقى فتبعنا).

هل تعلم كيف أقامت ألمانيا نهضتها بعد الحرب العالمية الثانية, بعدما أضحت حطاماُ ودمارا؟

5 مليون معتقل في سيبريا.. 10 مليون قتيل.. قوات الحلفاء دمروا البنية التحتية بالكامل بالمصانع والبيوت.. الشعب عبارة عن نساء وأطفال وشيوخ..

انتشرت فكرة الانتحار.. ثم تلتها فكرة النهوض بما تبقي من الشعب بقيادة النساء في غياب تام للحكومة..

فيما يعرف بـ (نساء المباني المحطمة).. قاموا ومعهم الشيوخ بإعادة بناء البيوت وجمع الأوراق والكتب من تحت الأنقاض لفتح المدارس.. وكتبوا شعارات علي بقايا الجدران المحطمة تبث (الروح) من جديد مثل:

(لاتنتظر حقك - افعل ماتستطيع - ازرع الأمل قبل القمح)

وكانت تلك الفترة فيما بين 1945-1955وعرفت بمرحلة بناء البيوت بالأمل والإيمان..

جدير بالذكر أن المانيا فازت بكأس العالم عام 1954 وكانت أصابع أقدام اللاعبين تخرج من أحذيتهم المهترئة.. ولكنها الروح القوية والهمة العالية..

تلاها مرحلة بناء المصانع بين 1955 -1965.. التي كانت قيمها ( الجدية + الأمل).

تلاها مرحلة ظهور رؤوس الأموال.. حيث تكفل كل رجل أعمال بخمسين شابا يدربهم ويعلمهم في الفترة بين (1965 -1975)

عام 1989 سقط جدار برلين وتوحدت ألمانيا عام 1990 واصبحت أقوي إقتصاد أوروبي حتي الآن..

 

 

(4)

لا يمهلنا الوقت في مصرنا لنعمل علي التوالي، بل يجب أن نعمل علي التوازي..

 كل فريق يقوم بدوره علي أتم وجه.. حتي إذا ما فرغ كلا من دوره، وجد غيره أيضا كذلك.. فتنهض مصرنا وتقوم في عشر سنوات محققة  ما قام به غيرنا في 40 سنة.. لا سبيل لنا غير ذلك..

ولكني هنا أقف لاتساءل في خضم الأزمات التي تعصف بوطننا الغالي، ماذا عن المرحلة الأولى!

مرحلة (الروح المصرية)  المجتمعة علي مرمي واحد؟

 

هل يمكن أن تحيا الروح المصرية ونحن اعتدنا تصنيف بني وطننا، كما تُصنّف المعلبات في السوبر ماركت؟

كيف لي أن أصنفك في إطار أُشييء به روعتك الإنسانية وجمالك الداخلي المتفرد!

إذا صنفتك، خنقت روحي أنا أيضا ووضعتها في نفس الإطار التصنيفي (القاتل للروح) .. حتي وإن كنت إنسانا في أوقات أخرى.. أحب وأشعر ولي أسرة أتعامل معها بإنسانية..

 

عزيزي المصري تقتل روحك بيدك، عندما تضعني داخل علبة.. ممسكا شريطك اللاصق الذي تضعه على علبتي.. واضعا لي تصنيف ما  قبل أن ترصني مع باقي المعلبات المتشابهه داخل عقلك..

قبل أن تخنقني، خنقت نفسك..

 

 

(5)

هناك حكمة شهيرة لدي قبائل (البانتو) في أفريقيا.. تدعي (أوبونتو).. بمعني أنا هنا بسببكم.. تشرحها خبيرة الصحة (إليزابيث ليسر ) في جملة واحدة على أنها:

(أنا أحتاج لك حتي أكون أنا.. وأنت تحتاج لي حتي تكون أنت)..

 
هي روح الإنسانية.. لا أري نفسي إلا عندما آراك.. لا أشعر بالسعادة إلا عندما أُسعدك..

 

إدراكك الحقيقي لهويتك لا يكون، إلا من خلال علاقاتك بمن حولك من الناس.. دون أي أطر تصنيفية..

 

فقط هم بشر مثلهم مثلك.. فإذا ما جردتهم من إنسانيتهم وقررت تصنيفهم, جردت نفسك في نفس ذات اللحظة من إنسانيتك..

ملحوظة:

تصنيفك راجع بقوة لشعورك بعدم الأمان الداخلي..

الله خلق لكل منّا بصمة أصابعه المتفردة، فكيف بروحٍ وقلبٍ وعقلٍ وجسدٍ وتجارب شخصية وبيئة مختلفة لإنسان غيرك، أن توضع داخل إحدي الأطر التصنيفية!

 

(6)

 

 

لا يقتصر التصنيف في مصرنا الغالية علي المصطلحات السياسية وفقط..

 

فهناك المصنفون الكرويون (أهلاوي ولا زملكاوي)..

 

والفنيون (عمراوي ولا تمراوي)..

 

والسادة خبراء التعامل مع البشر المهووسون بتحليل شخصيتك من مقابلة أو إثنتين ثم هووب.. أطر تصنيفية، لا يحتملها من إعتادت روحه التحليق في براح  سماء الإنسانية.. فتنقطع أواصر العلاقات قبل حتي أن تبدأ..

 

 

(7)

 

لا أدعي إن قلت أن أبو تريكة ومحمد صلاح (عندهم أوبونتو)..

فبالتأكيد قد شاهدتهم في مواقفهم الإنسانية المختلفة التي بها ملكوا قلوب جماهيرهم التي تعشق فيهم إنسانيتهم قبل مهارتهم الكروية.. وخاصة في التعامل مع الخصم في الملعب.. إنهم يجيدون شرف المكسب وشرف الخسارة..

وأنا كذلك.. مازلت أعشق كرة القدم.. ولكن تلك التي تمتلىء بروح الحماس و (روح الأوبونتو)..

 نلعب كفريق واحد، محققين هدف واحد رغم اختلافنا واختلاف أدوارنا..

 

 

عزيزي المصري..

هل عندك (أوبونتو)؟

أنت وحدك تملك إجابتك..

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق