"صُناع الطغاه"

الثلاثاء، 31 أكتوبر 2017 03:10 م
"صُناع الطغاه"
صبرى الديب

 
أؤكد أنه ليس هناك طاغية أو ديكتاتور في العالم يولد بفطرته، وأن من حوله ـ للأسف ـ هم من يغذون دائما فيه تلك الصفات، لدرجة أنه يصل إلى "حالة" لا يرى فيها سوى أنه "يبدع" ولا يسمع فيها سوى "تصفيق" وثناء "حاشية" التي تنسج له من الأوهام ما يجعله يعتقد أنه يحسن صنعا.
 
فمنذ عدة سنوات، سافرت في رحلة بصحبة الرئيس الليبي الراحل "معمر القذافى" إلى جمهورية "النيجر" التي تعد طبقا لتصنيف الأمم المتحدة "ثانى أفقر بلاد العالم" في رحلة كان من المفترض أن تستغرق 24 ساعة، لحضور احتفالية دينية بمناسبة المولد النبوي الشريف. 
 
وبالفعل هبطت بنا الطائرة في مدينة "أغاديس" وسط الصحراء، في أغرب مطار من الممكن أن تراه في حياتك، وسط مساحة شاسعة من الأرض الترابية المحاطة بسور من الطين، اعتلاه مئات الأطفال العراة و أنصاف العراة، يتوسطه مهبط واحد، وفى أحد جوانبه كشك خشبي لا يزيد عن 3 أمتار في 3 أمتار يستخدم ك"جوازات" 
 
وبمجرد أن انطلقت بنا الحافلة إلى خارج المطار، أخرج عدد من طاقم القذافى كميات كبيرة من "التشيرتات" المطبوع عليها صورته، وأخذوا يلقونها على الأطفال طوال الطريق، وسط صراع رهيب من الأطفال والكبار في الحصول عليها من على الأرض، لدرجة أنه من شدة الفقر، وجدنا كل أطفال المدينة في الصباح، يرتدون تلك التيشرتات التي كانت تغطى كامل أجسادهم تقريبا 
 
وصلنا إلى الفندق الوحيد في المدينة، واكتشفنا أن سعته 33 فردا فقط، في حين أن الوفد يضم نحو 90 شخصا، فتضطررنا إلى تسكين السيدات وكبار السن، وتركنا متعلقاتنا البسيطة في الاستقبال، لأنه من المفترض أننا سنحضر الاحتفالية ونغادر في المساء 
 
وما هي إلا ساعات، حتى انطلقت بنا الحافلة إلى مكان يشبه الساحات الشعبية المتخلفة، حيث تم إعداد مسرح جلس عليه "معمر القذافى" و"محمد طنجة" رئيس النيجر في ذلك الوقت، والرئيس السوداني "عمر البشير" ورئيسين إفريقيين آخرين لا أتذكرهما، بينما افترش كل الحضور الأرض التي تم إعدادها كساحة للصلاة. 
 
وما هي إلا دقائق حتى بدأت الاحتفالية، التي لم يتحدث فيها من بدايتها وحتى نهايتها سوى القذافى، في الوقت الذي لم يقترب فيه حتى رئيس الدولة المستضيفة من الميكروفون، وظل الرؤساء الـ 4 طوال الوقت مجرد متفرجين فوق المنصة، حيث أعطى القذافى أوامره بأذان المغرب، وقام بإمامة المصلين، وعقب الصلاة، أمسك بالميكروفون وألقى خطبة شن خلالها هجوما على أوربا وأمريكا، مؤكدا أنهم يحاولون إشعال فتنه مذهبية بين المسلمين من خلال السنة والشيعة، مؤكدا في نهاية حديثة، أن الحل الأمثل لتلك الأزمة هو عودة "الدولة الفاطمية"
 
ثم أمر القذافى بالأذان لصلاة العشاء، وأم المصلين أيضا، ثم جاء بنحو 10 من الأفارقه غير المسلمين، رددوا خلفه الشهادة، وأعلنوا دخولهم الإسلام، وأنهى الاحتفال 
 
الغريب أن حاشية القذافى تركوا كل ما قاله الرجل من كلام منطقي وعاقل عن الفتن والمؤامرات التي يتعرض له العرب والمسلمين، وبدأوا يروجون ويتحدثون عن عبقرية فكرة "عودة الدولة الفاطمية" والجميع في ذهول مما يقولون.
 
ولعل أظرف ما في الأمر، أنه كان من المفترض أن نستقل جميعا الطائرة ومغادرة النيجر بعد حفل العشاء الذي نظمه القذافى عقب الاحتفالية، إلا أننا فوجئنا بأنه أصدر أوامر ببقاء الوفد كاملا حتى مساء اليوم التالي، وهو ما وضع الجميع في ورطة، فلا مكان للمبيت، ولا أحد من الوفد لديه ملابس نوم، أو ملابس تكفيه ليوم أخر 
 
وأضطرر أغلبنا إلى المبيت على الكراسي في مدخل الفندق، بعد أن عجز المنظمون عن تدبير أماكن للإقامة، ومرت الليله على الجميع دون نوم 
 
وفى الصباح الباكر طلب القذافى لقاءنا، وانطلقت بنا الحافلة إلى خيمته، حيث وجدنا وفود من "أدغال أدغال" إفريقيا يرتدون ملابس غريبة، وقد جاءوا بملوكهم يبايعون القذافى "ملكا لملوك أفريقيا" وظلت الهتافات تملاء الخيمة باللهجات الإفريقية المختلفة لساعات، شاهدنا خلالها أنواع من البشر والثياب، لا اعتقد أننى سأشاهدها في حياتي مره أخرى 
 
ومع نهاية اللقاء، خرجنا لنجد سيول من الأمطار تهطل على "أغاديس" وكانت المفاجأة أن الطاقم الليبي من الرئاسة والخارجية والإعلام، كانوا أكثر الناس فرحا بالأمطار، مؤكدين "أن السماء تحتفي بوجود القذافى في النيجر، وأنه مع كل زيارة له لأفريقيا لابد أن تمطر السماء في البلد التي يحط بها".
 
 
وعدنا من الرحلة العجيبة بعد يومين، دون نوم، وبالملابس التي خرجنا بها من مصر، تفوح منا جميعا رائحة المبيدات الحشرية التي وضعناها على أجسادنا وملابسنا خوفا من لدغ الحشرات الناقلة للأمراض في أفريقيا، ولا حديث لطاقم القذافى سوى عن فكرته العبقرية بـ"عودة الدولة الفاطمية، والأمطار التي هطلت على أغاديس فرحا بقدومه"
 
للأسف، هؤلاء من يصنعون الطغاة، وهكذا يتحول الحاكم إلى طاغية.
 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق