التعليم خارج جدران الفصول في الصين

الثلاثاء، 14 نوفمبر 2017 02:11 م
التعليم خارج جدران الفصول في الصين
حسين عثمان يكتب :

أن تستلهم الدول النامية، خبرات مثيلاتها، ممن قطعت شوطاً كبيراً، تجاه مصاف الدول المتقدمة، هو أحد أقصر الطرق نحو تحقيق نجاحات سريعة على الأرض، خاصة وإن تشابهت المعضلات وملابساتها والظروف المحيطة بها، كان التعليم الصيني حتى عشر سنوات مضت، يتسم بتلقين الطالب المعلومات كقاعدة في مختلف مراحل التعليم، فكان أن طرحت الأجهزة التعليمية بحي دونغتشنغ بالعاصمة بكين، مفهوم تطوير التعليم خارج جدران الفصول، وبعد أن أخذ المفهوم وقته في الدراسة، بدأت المدارس في دونغتشنغ، في المراحل الثلاث الابتدائية والإعدادية والثانوية، فتح دروس اختيارية جديدة للطلاب، فيما يسمى بنظام اختيار الطلاب الدروس في المراكز وفقاً لرغباتهم، والذي يساعد الطلاب على تحقيق الاستفادة القصوى من الموارد التعليمية، وبما يجعل الموارد الاجتماعية تساهم بدورها في دفع العملية التعليمية.

من خلال النظام يتم تقليص فجوة جودة التعليم بين المدارس، واستكشاف نقاط جديدة للتواصل بين المدارس والمجتمع، ويتمثل نمط نظام اختيار الطلاب الدروس في المراكز وفقاً لرغباتهم، في المعادلة "1+N+8+X"، الرقم 1 يشير إلى مركز النشء في حي دونغتشنغ، وهو مركز عام يعمل على وضع برامج الدروس والتنسيق بين المواد المختلفة، ويشير حرف N إلى المراكز المنشأة سابقاً أو لاحقاً على المشروع، والتي تتحمل مسئولية وضع وتطوير الدروس المعنية وتنفيذها، مثل مركز التكنولوجيا العلمية، ومركز الثقافة والفنون، ومركز التبادلات الدولية، ومركز التدريب الاجتماعي، ويمثل الرقم 8 المراكز الفرعية المسئولة عن وضع وتطوير وتنفيذ الدروس التجريبية المهنية، أما حرف X فيشير إلى مجموعة القواعد الخاصة بفتح الدروس، مثل المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية وغيرها من الأجهزة الاجتماعية.

في هذه المراكز تجد طالبة في السنة الأولى بإحدى المدارس الثانوية بحي دونغتشنغ، تختار مادة الطب الصيني التقليدي كدرس اختياري، لأنها ترغب في تقديم مساعدة طبية لأهلها، وتريد أن تصبح طبيبة في هذا المجال في المستقبل، وتجد في المقابل، طالبة ماجستير في جامعة بكين للطب الصيني التقليدي، وهي في نفس الوقت عضو بفريق ريادة الأعمال في جامعتها، تقوم بتدريس مادة الطب الصيني التقليدي في نفس المركز، هذا على سبيل المثال، وعلى ذات المنوال، فإن الطلاب من المدارس المختلفة، يمكنهم دراسة المواد في مختلف المراكز حسب رغباتهم، فيدرس الطلاب على اختلاف مراحلهم الدراسية، التصميم الفني من خلال التطبيقات الرقمية، وكيفية صنع الإنسان الآلي الذكي، وتصميم الأزياء، وتنسيق الزهور، واستكشاف أحافير الديناصورات، وأكثر من ثلاثمائة مادة أخرى.

مراكز النشء الآن في حي دونغتشنغ، تقدم خدماتها التعليمية خارج جدران الفصول بمشاركة مجتمعية، وبما يغطي كافة العلوم الإنسانية والاجتماعية، الرياضية والصحية، العلوم والتكنولوجيا، الآداب والفنون، التعليم الدولي، والأعمال المهنية، ويشارك في التدريس أكثر من أربعمائة معلم، وتتزايد أعداد الطلاب المسجلين بهذه المراكز من عام لآخر، فبينما بلغوا 22 ألفاً في العام الدراسي 2014/2015، فإن أعداد الطلاب المسجلين تضاعف خلال عامين فقط، ليبلغ 64 ألفاً في العام الدراسي 2016/2017، كانت هناك فكرة خاطئة قبل تفعيل النظام، ألا وهو أن طلاب المرحلة الإعدادية يصعب عليهم القيام بالأبحاث العلمية، ولكن النظام أثبت أن بعض هؤلاء الطلاب لديهم موهبة البحث العلمي، وكثير منهم لديهم أفكار رائعة، هكذا تفاعلت جامعة المعلمين في بكين، وقامت بمسئوليتها الاجتماعية في هذا المجال.

هكذا قامت الأجهزة التعليمية الصينية بالإصلاح، واستطاعت اكتشاف طرق جديدة لرفع جودة التعليم، فأصبح الطلاب في بكين وشانغهاي ومدن صينية كبرى أخرى، يتلقون دروس التعليم الأساسي في مدارسهم، ويطورون رغباتهم في المراكز المختلفة خارج جدران الفصول، كان الهدف الجوهري لإصلاح التعليم رفع القدرة الشاملة للطالب، واستكشاف نمط لتدريب الطلاب الأكفاء يواكب متطلبات العصر، ونؤكد أن الهدف قد تحقق بعد مرور عشر سنوات على بدء المشروع، حيث تحول نمط التعليم من "المدرسة + الكتب + المعلم" إلى "التعليم المشترك والمبتكر والمنفتح والديناميكي"، وبخلاف الربط بين التعليم الأساسي والتعليم الجامعي، في اتجاه دفع تطور قدرات الطلاب حسب رغباتهم المختلفة، مشروع التعليم خارج جدران الفصول في الصين، جعلها في مصاف الدول الأوروبية المتقدمة في التعليم مثل فنلندا وألمانيا.

يحكي الأديب الكبير بهاء طاهر، في كتابه "السيرة في المنفى"، أن عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، كان قد كتب عام 1937 في كتابه الشهير "مستقبل الثقافة في مصر"، أن القراءة الحرة ينبغي أن تكون بمثابة ثلث المناهج التعليمية على الأقل، وقد صدق فعل الرجل قوله طوال مدة توليه وزارة المعارف، حيث وزعت في هذا الوقت كتب مجانية في المدارس للقراءة فقط، وبفضل هذه التجربة بدأ أناس كثيرون جداً الاهتمام بالقراءة والثقافة، ويضيف الكبير بهاء طاهر، أن في الغرب يعلمون التلاميذ اللغة من خلال كلمات لكبار الكتاب، فمثلاً يشرحون جملة للطلاب استعملها ألبير كامو أو تشيكوف أو ديستويفسكي في إحدى رواياتهم، فيبقى جزء في الوعي الكامن لثقافة الطلاب، أن هذه اللغة صنعها كبار الأدباء والمثقفين.

ويتعجب بهاء طاهر، أنه لا تزال هناك نصوص مفروضة على التلاميذ في المدارس، أقل ما يقال عنها أنه قد عفا عليها الزمن، نصوص مرهقة، وغير فعالة على الإطلاق، وكان الأديب الكبير قد طرح أن يقرأ المسئولون عن التعليم في مصر كتاب "مستقبل الثقافة في مصر" لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، وأن ينفذوا أفكاره بحذافيرها، باعتبار أنه بكل أسف، لا يوجد برنامج لتغيير ثقافة مصر إلا برنامج طه حسين المكتوب عام 1937، يؤكد بهاء طاهر أنه لو كانت أفكار الرجل قد طبقت منذ هذا الوقت، لكنا أنقذنا الوطن من براثن التطرف الديني، فهو يتحدث في كتابه عن كيفية تحويل الديمقراطية إلى أسلوب حياة فاعل، فيتحقق أساس الديمقراطية بأن يكون كل الناس جزءاً من عملية التغيير.

تقرأ عن التعليم خارج جدران الفصول في الصين، أو حكي بهاء طاهر عن رؤية عميد الأدب العربي لإصلاح التعليم في مصر، فتتنهد قبل أن يتوحد داخلك سؤال بهاء.. كم عاماً أمامنا إذاً لنصبح هكذا؟!.. سواء تجاه ما رواه عن "مستقبل الثقافة في مصر" أو كما قرأنا عن "التعليم خارج جدران الفصول في الصين".. وتأخذ نفساً عميقاً قبل أن تردد معه.. أفق ضيق وحياة أكثر ضيقاً.. خاصة وأن التعليم خارج جدران الفصول في مصر، ينحصر في مراكز الدروس الخصوصية المنتشرة في طول البلاد وعرضها، لا لرفع قدرات الطلاب، ولكن للقضاء على ما تبقى منها بعد المدرسة!!.. ويبقى أن أشير في النهاية إلى مجلة "الصين اليوم" مرجعي فيما قرأتم معي عن التعليم خارج جدران الفصول في الصين.     

    

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق