إجبار أكبر كاتب فى مصر على ركوب التوك توك

الأحد، 19 نوفمبر 2017 02:00 م
إجبار أكبر كاتب فى مصر على ركوب التوك توك
حمدى عبد الرحيم يكتب:

يرحم الله شاعر الشعب الأستاذ بيرم التونسى الذى كتب ساخرًا من الحزم بل التعسف مع البسطاء والتفريط مع الأكابر فقال:  «أربع عساكر جبابرة يفتحوا برلين.. ساحبين بتاعة حلاوة جاية من شربين
شايلة على كتفها عيل عينيه وارمين.. والصاج على مخها يرقص شمال ويمين
إيه الحكاية يا بيه؟ جال خالفت الجوانين؟
اشمعنى مليون حرامى فى البلد سارحين
يمزعوا فى الجيوب ويفتحوا الدكاكين؟ أسأل وزير الشئون ولا أكلم مين».
ما كتبه بيرم قبل سبعين عامًا وقع الكاتب الكبير الأستاذ وديع فلسطين، ضحيته قبل أسبوع!
وأصل القصة أن الأستاذ وديع المولود فى العاشر من أكتوبر من العام 1922 سأل عن معاشه لدى وزارة التأمينات ففوجئ بضرورة حضوره بشخصه وبسنواته التى تقارب المائة لكى يمثل بين يدى السيد الموظف لكى يتأكد سيادته من بقاء الكاتب على قيد الحياة.
حاولت السيدة التى تدير شئون منزل الأستاذ وديع إقناع السيد الموظف ببقاء صاحب المعاش على قيد الحياة ولكن محاولاتها اصطدمت بجدار صخرى من التعسف الوظيفى، وقديمًا قال صلاح جاهين: إن السيد عبدالعاطى البيروقراطى.. السد العالى فى نظره اسمه دوسيه.
عادت مديرة المنزل إلى صاحبه وقادته إلى حيث تقف سيارة صديق، لتقله من مسكنه فى حى مصر الجديدة إلى حى عين شمس حيث مبنى التأمينات.
المعروف أن عين شمس من أشد مناطق العاصمة ازدحامًا، وعلى ذلك لم يستطع قائد السيارة الوصول إلى مبنى التأمينات، فتوقف على جانب الطريق، والمطلوب الآن مثول الكاتب الأكبر بين يدى سيادة الموظف، حلا لمشكلة عدم استطاعة الأستاذ وديع السير لمسافة طويلة على قدميه، قامت مديرة منزله بالصعود معه إلى توك توك.
تخيل معى، وديع فلسطين بقامته وقيمته وسنوات عمره التى فوق التسعين يستخدم هذه الآلة البذيئة الجهنمية المسماة بالتوك توك؟
أخيرًا وصل الركب إلى حيث المبنى، وجلس الأستاذ وديع فى الطابق الأول، ولكن جناب الموظف كان فى الطابق الثالث، فأصر إصرارًا كبيرًا على صعود وديع إليه!
ما هذه الغلظة؟ بل ما هذه الجلافة؟
لم يكن من حل سوى أن تحمل مديرة المنزل الأستاذ وديع لتصعد به إلى حيث مكتب معالى الموظف.
الكاتبة الكبيرة الأستاذة صافى ناز كاظم قالت لى فى سياق تعليقها على هذه الواقعة: عندما يحملك أحدهم فأنت تشعر بالعجز، ثم سرعان ما يتحول الشعور بالعجز إلى شعور بالمهانة، أما إذا حملت امرأة رجلًا فحدث ولا حرج عن مشاعر الرجل المحمول.
إذن صعد الكاتب الأكبر فى مصر إلى مكتب الموظف محمولًا على ظهر مديرة منزله، تأكد جنابه من وجود الأستاذ على قيد الحياة فقدم له نصف معاشه!
لماذا نصف المعاش وليس المعاش كاملًا؟
هذه المعلومة تفتح أقواسًا من الشبهات.
لقد قالوا فى تبرير الإجراء الغليظ الذى لا يصدر إلا عن قلوب عليها أقفالها، إنهم كانوا بصدد التأكد من حياة صاحب المعاش فعطلوا نصفه!
ما هذه «اللخفنة» التى تستدعى الريبة؟
إن كنتم حقًا تبحثون عن اليقين لكان لكم تعطيل كامل المعاش، ولكن أن تقدموه على مرحلتين فهذا عجيب غريب مريب!
كان الأمر سيمر كما مر غيره لولا صرخات استغاثة أطلقتها الكاتبة الكبيرة الأستاذة صافى ناز كاظم تبعتها صرخات من الكاتب الأستاذ هشام يحيى والكاتب الأستاذ لويس جريس، لقد فعلت حسابات الفيس بوك مفعولها، فقامت الدكتورة غادة والى وزيرة التضامن بتقديم اعتذار للكاتب الكبير مصحوبًا بباقة ورد وعلبة من التمر، ووصفت فعل الموظف بـ«الوقح» وقالت إنها ستحيله للتحقيق.
كل هذا طيب وجيد ونشكر الوزيرة على عدم المكابرة والإصرار على ذنب التعسف مع رجل أثرى المكتبة العربية بروائع الكتب، كما وهب الصحافة المصرية والعربية زهرة شبابه وحكمة عمره، ولكن أليس من آلية محترمة ترفق بالذين مد الله فى أعمارهم من الآباء والأمهات والجدات والجدود؟ 
نحن مع حق الدولة فى الحفاظ على المال العام، ولكن بشرط احترام شيخوخة الشيوخ.
ولعل أطرف تعليق سمعته حول الواقعة ما قاله لى كاتب كبير: اسمه وديع يعنى لا أنياب لديه، واسمه فلسطين فمن الطبيعى أن يكون له من حظ فلسطين الكبيرة نصيب.
 
 

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق