البلطجة الفكرية

الأربعاء، 06 ديسمبر 2017 07:10 م
البلطجة الفكرية
أحمد نجيب كشك يكتب:

ظاهرة من الظواهر التي نعاني منها في مجتمعاتنا ينتشر من خلالها التطرف والإرهاب الفكري ولا ابالغ ان قلت الارهاب العملي أيضا ، هذه الظاهرة هي عدم تقبل رأي الآخر لأنه غير متوافق مع رأيي أو ميولي واتجاهاتي ،ولا يقف الأمر عند ذلك فقط بل يتطور إلى البلطجة على المخالف في محاولة لفرض قناعات ووجهات نظر واتجاهات معينة عليه، ويكون قاعدة التعامل عند ذلك هي إما أن تقتنع بأفكاري وقناعاتي وتكون في صفي أو "أعلن الحرب عليك بكل ما أوتيت من قوة"، إن هذا هو عين "البلطجة الفكرية" التي ينتهي على أبوابها كل معالم الأدب ويتم نسف كل آداب  الاختلاف في النقاش والحوار.

إننا نرى وبمنتهى الوضوح في مجتمعاتنا أنه بمجرد طرح أو إثارة أي مسألة من المسائل للنقاش في أي مجال من مجالات الحياة سواء الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية أو غير ذلك على أرض الواقع في العمل أو البيوت أو المقاهي أو حتى على مواقع التواصل الاجتماعي كالفيس بوك وغيره ، أن الناس ينقسمون إلى قسمين "مؤيد ومعارض" ، ويبدأ كل طرف في الانتصار لما يراه من وجهة نظره أنه الأصح ويدافع عن رأيه ويتشدد له ، وما يلبث الأمر في كثير من الأحيان إذا اشتد الحوار ولم يتم الالتقاء في نقطة وسط أو اقتناع أحد الأطراف بفكر الآخر أن ينتقل الأمر من ساحة النقاش والحوار بآدابه إلى ساحة  للاختلاف بلا حدود ولا آداب وتنهال الاتهامات والشتائم والخصومات وقد يصل الأمر الى حد التخوين ونبذ الآخر ومحاولة النيل منه والتشريد به مستحلا في ذلك كل ما يملك من أدوات وأسلحة.

ولعلنا حينما ننظر إلى ما نصت عليه الأديان والأعراف وخاصة الإسلام الذي هو دين الحوار والنقاش لرأينا اختلافا وبعدا كبيرا ،فالله عز وجل يريد أن يستقيم وينخرط المجتمع في حوار ونقاش مثمر يعود بالخير والفائدة والمنفعة على المجتمع كله بجميع أطيافه وألوانه ودياناته حتى يتحقق وحدة  المجتمع وتماسكه.

ولذلك قد وضع الله تعالى لنا آدابا للحوار تحكمه منها التزام الأدب في الكلام والأفعال واستخدام الشفقة والرحمة واللين مع الناس وخفض الصوت وعدم استخدام الصوت العالي أو النظرات الجارحة.

ومنها أن جعل لكل إنسان الحرية في اختيار ما يراه مناسبا له دون أن يرغمه أحد على مخالفة ذلك حتى في العقائد والأديان فإنه لم يجتمع الناس على قلب رجل واحد في عبادة الله عز وجل  ومع ذلك أمر بحسن المجادلة والحوار وترك لكل واحد حرية ما يعتقده في الدنيا ، ولذلك قال الله عز وجل : "لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ" وقال تعالى :"فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِر"، فهذا فيما يتعلق بعلاقة الإنسان بربه فما بالنا بالعلاقة مع البشر؟

ومنها أن يعترف الإنسان بخطئه ويتراجع عنه حينما يتبين له أنه قد أخطأ ولا حرج ولا عيب في ذلك أبدا ، بل إنه من كمال المروءة والأدب.

ومنها أن جعل من القوة والحكمة وتمام العقل إذا كان على حق وتيقن أن الطرف الآخر مخطئ ويجادل في الباطل وأن الأمر قد وصل لمرحلة للجدال السلبي أن ينسحب من الحوار مباشرة وهذا ما وجه به النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال:"أنا زعيم ببيت في ربض الجنه لمن ترك المراء (الجدال) ولو كان محقا"، وهذا ليس ضعفا وإنما دليل على القوة والتقوى.

بهذا كله وأكثر يريد الله  تعالى أن يدير أفراد المجتمع الحوار فيما بينهم ، وأن يتواصلوا بالتفاهم والترابط والحب والود مع بعضهم البعض ،وأن يقضوا على كل أسباب الشحناء والبغضاء التي تفضي في النهاية إلى التنابذ والفرقة دمار المجتمع.

فينبغي أن نطبق هذه الآداب في بيوتنا مع الأهل والأبناء وفي العمل والأسواق والمواصلات والنوادي وفي كل ملتقى حواري من أي نوع وينبغي أن نربي أبناءنا علي ذلك بعيدا عن "البلطجة الفكرية" المقيتة التي تفرق وتمزع نسيجنا الواحد.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق