القدس!.. وماذا عن باقي عواصم الدم؟

الخميس، 07 ديسمبر 2017 04:57 م
القدس!.. وماذا عن باقي عواصم الدم؟
عبد العزيز السعدني يكتب:

قبل أن يصبح "نصف ميت" على سريره، فور الانتهاء من تصفح موقعه الأزرق المُفضل، خرج إلى شرفة غرفته، وأشعل سيجارته، أصر ألا ينام قبل أن يساند القدس، عاصمة فلسطين فقط، بمنشور يشجب ويدين حتى ينام جسده وضميره في آن واحد، تمدد على سريره، وفور سماع قرآن الفجر يصل أذنيه، ترك هاتفه ونام على جنبه الأيمن مقتديًا بـ"سنة" رسوله، لا تسيئوا الفهم! حتى يستيقظ باكرًا ليدعم القدس ويندد بأفعال القردة الخنازير، وهو في دورة مياه منزله على مستوى "القاعدة الأفرنجي".
 
حال شباب دول عربية كثيرة، وخاصة النشطاء أو ما يسمون أنفسهم نشطاء، إلا من رحم ربي، وإن كنت أشك!، لأنه لو كان بعضنا يرحم، ما أصبحنا وأمسينا في هذا الحال.
 
أنا كمواطن مصري، أساند وأدعم جميع المواقف الداعمة ضد "عربجة" الولايات المتحدة الأمريكية، واستفزاز الكيان الصهيوني المستمر للأشقاء الفلسطينيين، ومن حقي أن أشجب وأندد وأتعصب، ولكن هل من حقي أن أقول رأيي دون أن يهاجمني أحد؟
 
وجدت جميع النشطاء يهاجمون بأشعار "زعماء العار"، "الحكام العرب خذلونا"، فلان متواطئ، علان متخاذل، ترتان بيه وعليه، والسؤال هُنا "أين نحن كشباب من كل هذا؟ كثيرون مثل بداية المقال، لا أقلل منكم أو من وطنيتكم وليس لي الحق في ذلك، ولكن مجرد سؤال يدور في عقلي ومن حقي أن أجيب الإجابة المناسبة لعقلي.
 
كمثل مشجعي المنتخب المصري في تصفيات كأس العالم 2010 عندما كانت كلمة "يا رب" تهز استاد القاهرة ومحيطه، الآن، جميع النشطاء- الذين يقطعون فروة بعضهم البعض- في صوت واحد: أين العرب؟ أين القدس؟ أين الحُكام؟ أين مصر؟.. قبل أن أردد كـ"خرافهم"، ظهرت أسئلة أخرى باغتتني واحدًا تلو الآخر: أين مدينة السلام بغداد العراق؟ أين عروس البحر المتوسط طرابلس ليبيا؟ أين صنعاء اليمن الذي كان سعيدًا؟ أين أقدم عاصمة في العالم دمشق سوريا؟.. أين كل هذه العواصم الآن؟ وإلى أين؟
 
دعني أذكرك وأذكر نفسي برائحة الدم التي تغرق بلادنا العربية بكل إيجاز، سقطت بغداد أكثر من مرة ولكن دعنا فيما بعد الألفينات، فانسحبت الولايات المتحدة الأمريكية رسميا من العراق في 2011، وخلفت وراءها قتلى جاوز عددهم نصف المليون فقط وقت الحرب، و100 طائفة تأكل في بعضها البعض، وسيطرة للحلف الإيراني بأكرادهم، وتنظيم الدولة الإسلامية الذين عثوا في الأرض قتلا وفسادًا وبطلانًا باسم الدين، وكذلك ليبيا، التي أصبحت مرتعًا للمليشيات المرتزقة والعرقية والإرهابية المسلحة التي قتلت مئات الألوف تحت اسم الدين، وكما يدعون ويبررون إرضاءً لرسول الله سيدنا مُحمد الذي قاتل أعمامه!
 
وإلى عروس الشام، سوريا، وعاصمتها أقدم عواصم العالم، دمشق، فبعد أن كانت قِبلة السائحين الأجانب قبل العرب، أصبحت قِبلة شواذ الفكر والعقيدة، المعقدين نفسيًا والمرضى وقاصدي العنف من كل مكان.. أزح عينيك من على سوريا وانزل بها قليلا إلى اليمن الذي كان سعيدًا.
 
أتيقن تمامًا أن عقلك الباطن الآن يحرضك على المزايدة عليّ، قبل أن تنساق وراءه، أجب على هذه الأسئلة كمواطن ولست نظامًا: هل كنا مع أم ضد دخول أمريكا العراق؟ هل كنا مع أم ضد إعدام الرئيس الراحل صدام حسين؟ هل كنا مع أم ضد مقتل معمر القذافي بهذه الوحشية؟ هل كنا مع أم ضد نظام بشار الأسد؟ هل كنا مع أم ضد قتل علي عبد الله صالح بهذه الدماء الباردة؟.. وأخيرًا، هل تعلم أننا كعرب نحارب أنفسنا؟
 
نحن كمواطنين لم نتفق على وجهة نظر واحدة، شريحة مع وشريحة ضد، صبرًا واطرح أسئلتك، أعرف أننا يجب أن نختلف وأتفق معك، ولكن بعد أن نختلف، هل نحترم الاختلاف؟ 
 
نحن كعرب، هناك من هلل لأمريكا وقت دخول بغداد وشمت، هناك من هلل لقتل القذافي وشمت، هناك من هلل لقتل علي عبد الله صالح وشمت، وهناك من أحس بالذنب وبكى، ليس لمواقف سياسية، ولكن "حُرمة الدم".
 
طالما ظللنا هكذا لا نحترم أنفسنا، لن يحترمنا أحد، طالما نفضل الأماكن المُقدسة على الأرواح لن يحترمنا أحد، ابحث جيدًا عن عدد ما فقدنا كعرب من أرواح بأيدينا لا بأيدي أعدائنا ستعرف إجابات كل هذه الأسئلة.
 
الدول الكبرى تتحكم الآن في مصائر غيرها لأن شعوبها احترمت وجهات نظر بعضها البعض، وبالتالي حافظت هي على أرواح شعوبها وجعلتها مُقدسة ترفض المساس بها وبحقوقها.
 
أتمنى بعد 70 عامًا، وهو عُمر الكيان الصهيوني في فلسطين، ألا نجد كيانات صهيونية أخرى في العراق أو ليبيا أو اليمن أو سوريا تعلن دولتها في عواصم هذه الدول.
 
أتمنى أن نتدارك أخطاءنا ونتقبل وجهات النظر، ونحاول الحفاظ على كل قطرة دم من عربي أو غيره، لسنا ولاة على أحد حتى نحدد من نهدر الدم ونبيح القتل، إذا جعلنا للدم "قُدسية" وقتها سنعرف جيدًا أن نحافظ على مقدساتنا.

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق