فى مديح أضعف الإيمان

الأربعاء، 20 ديسمبر 2017 11:33 ص
فى مديح أضعف الإيمان
حمدى عبدالرحيم يكتب:

لو عرفت من نحَر القاتل، ستعرف بالتأكيد من قتل القتيل، فلا تعتقد أبدا أن ما يذاع أمامك نازف الدم لتذرف عليه الدمع هو الضحية، لأنه فى الغالب، ستكتشف بعد حين، أنك شخصيا الضحية الحقيقية.
 
من قلب سوريا المشتعلة، خرجت نيران لوغاريتمات السياسة، ومن قلبها أيضا بات كل طرف فى المعركة بين خيارين، كلاهما أبعد ما يكون عن الآخر.
 
الشعوب كعادتها- وكما هو حقها- تراهن على فعل الحكومات، بوصف الحكومات هى صاحبة الأمر والنهى، وبيدها تنفيذ القرارات وتمتلك آليات التعبير عن الرفض الذى يؤدى إلى وضع كل مشكلة فى حق موضعها، ولكن الحكومات- خاصة العربية منها- تعانى من عيوب فى بنيتها تجعلها عاجزة عن مواجهة كارثة كتلك التى خيمت على سماء الوطن العربى والعالم الإسلامى، الحكومات العربية هى إما فى تحالف استراتيجى مع الأمريكان أو فى خوف مقيم راسخ منهم، فمن
 
أين ستأتيها جرأة المواجهة وشجاعة التصدى؟
إذن لا مفر من رد شعبى، وهنا تبرز نقطة غاية فى التعقيد، فالشعب ليس كتلة صماء، وليس فردًا واحدًا يمتلك رؤية محددة لا يحيد عنها، الشعب حشد خرافى، متنوع، ولكل فرد من تلك الجموع رؤيته الخاصة التى ينادى بتطبيقها وتنفيذها بوصفها الحل السحرى الوحيد.
 
وتبلغ العقدة ذروتها عندما يسقط البعض فى مستنقع تسخيف أى رأى غير رأيه، والتقليل من شأن أى كلام غير كلامه، فلقد رأينا حملات كأنها مسعورة وموجهة ضد كل الذين ينادون بمقاطعة البضائع والسلع الأمريكية، ويقولون فى سياق تبرير موقفهم: ماذا ستفعل المقاطعة مع اقتصاد متوحش مثل الاقتصاد الأمريكى؟!
ثم رأينا حملات ضد دعوات التظاهر يصف أصحابها المتظاهرين بالمزعجين الذين يهددون العدو بقبضات أيديهم وصرخات حناجرهم.
 
كل ذلك وأكثر منه رأيناه، فما الحل؟
قلنا منذ البداية إن الرهان على الحكومات العربية خسارة مبينة ومحض سراب، فلماذا نضيق على حركات الشعوب التى هى صاحبة المصيبة أولًا وأخيرًا؟!
سياسى عربى واحد هو السيد حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله، اللبنانى، فتَح قوس المقاومة عندما نادى بضرورة احترام الكتابة ضد قرار ترامب على فيس بوك، وتويتر، كما نادى بتنظيم مظاهرات مليونية سلمية بطبيعة الحال تستنكر القرار.
 
إن حركة التاريخ لم تبدأ أمس، كما أنها لن تتوقف اليوم، وحركة التاريخ محكومة بمدى تفاعلنا مع الأحداث، وذلك التفاعل يجب أن يضم كل الرؤى ومختلف الأشكال دون فرض وصاية من أحد.
 
التظاهر مهم لمن استطاعه بشرط السلمية، والكتابة مهمة لمن استطاعها بشرط مخاصمة البذاءة والاعتماد على الخرافات، والمقاطعة غاية فى الأهمية لو استطعنا تنظيمها وجعلناها أسلوبًا لحياتنا، كل تحرك رافض هو مهم وفاعل، قد لا تظهر نتائجه الآن وفورًا ولكن أعظم الأنهار ليست أكثر من قطرات مطر تجمعت ثم حفرت مجراها.
 
أستاذ بالجامعة المصرية، هو مسعد صالح، تفتق ذهنه عن فكرة لن تكلفنا سوى لافتة نحاسية.
 
فكرة صالح تقول: تقوم كل عاصمة عربية بها سفارة أمريكية بتغيير اسم الشارع الذى يقع فيه مبنى السفارة ليصبح شارع «القدس عربية».
 
لو نفذنا تلك الفكرة البسيطة- التى هى حق مطلق لنا ولن تكلفنا أعباء أى مواجهة- فلن تجد أمريكا على خطورة شأنها أمامها سوى تسجيل العنوان كما هو: «القدس عربية»، وستحمل كل المراسلات الرسمية العنوان المناقض والمناهض لقرار ترامب والفاضح لأكذوبته الرعناء التى لم يعترف بها سوى الكيان المختل.
 
أفكار مثل تلك هى أضعف الإيمان الذى يبدو أحيانًا مثل قارب نجاة فى بحر الظلمات. 

 

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق