القوالب نامت

الخميس، 21 ديسمبر 2017 11:00 ص
القوالب نامت
منال العيسوى تكتب:

دكتور في التنمية البشرية، مستشار تحكيم دولي، الفنان الكبير، الإعلامي الكبير، مسميات ظهرت بقوة خلال هذه الفترة، تأخذ منحنى لا علاقة له بالواقع، ومن يبحث في بواطن الأمور يجد أصحاب هذه الألقاب، قوالب فارغة، بحفنة أموال يتملصون من واقعهم الفاشل وللأسف نجد بسطاء كثيرون ينساقون وراءهم ويشترون الوهم ويعاملونهم معاملة العظماء، وكثيرون يقعون في شركهم.
 
طيلة عشرون عاما عملت فيها في بلاط صاحبة الجلالة منذ (عام 1993) كمراسلة لجريدة الأهالي التي كانت تصدر عن حزب التجمع، عرفت مغزى كلمة البحث عن المتاعب، وكيف هي صاحبة الجلالة؟، وكيف كانت الكلمة صفعة؟.
 
عاصرت زملاء كثيرون بينهم من كان أستاذًا، وبينهم من كان قدوة، ومنهم من كان نموذجًا ومثلًا، يقتضى به أن أردت، وتنفر منه أن لم ترد، فأنت من تحدد طريقك وخطاك.
 
موضوعات كثيرة تقيس نبض البسطاء، وكيف كانت لذة الانتصار ونشوة الفرح حين يكتب اسم الصحفي على موضوع ولو 50 كلمة، كيف كان يشغلني بونط الاسم، كيف تكبدت مشقة السفر يوميا من والى القاهرة المحلة، لأسلم موضوعًا وأتابع نشرة وأسأل رؤسائي عن رأيهم فيما كتبت، وكيف كنت أحضر قصاصات الورق الأصفر-الدشت- وأضعها أمام ما تم نشره لأعرف هل نشر كما كتبته أم تم أإضافة شيئا له، "ويامرارة" شعور الصحفي حين يتم إبلاغه بإلغاء موضوعه.
 
كنا نصور على حسابنا لقطة ونقصها من فيلم الكاميرا لنضع ما تبقى لإعادة تصوير موضوع آخر، وإحساس الضيق لو حرق الفيلم أثناء تحميضه، كيف تجولنا بالشوارع والطرقات في كل محافظات مصر، بحثا عن قصة حقيقية من بين غياهب الإهمال والنجوع، ذكريات رغم مرارتها إلا أنها صنعت صاحبة هذه الكلمات، وصنعت كثيرون غيرها ممن تفخر بهم صاحبة الجلالة وحفرت أسماؤهم في ذاكرة الوطن قبل ذاكرة معاصريهم.
 
وقتها لم يكن هناك عائد مادي يذكر، كنا نتحمل الانتقالات وتصوير المستندات، وثمن تحميض الصور، وفي النهاية حين ينزل اسمك في كشف المكافآت يكاد أن يقفز قلبك من بين ضلوعك فرحا وحين تمسك بيديك (150 جنيهًا) المكافأة أو راتبك الذي لم يجاوز (300 جنيه)، وقتها كان بريق النجاح والتحقق قادر على إحداث نشوه حقيقية تكتمل حين يتصل بك مسئولا يناقش ما تم كتابته، أو يتم نقل موظفًا نال منه القلم، فما أجمله عائد وأنت تتبارى مع زملاؤك حول انفرادك هذا الأسبوع.
 
أيا صاحبة الجلالة، أين أنت؟، وأين لياليك الكرام؟، وأنا طفلة صغيرة، حين داعب فيلم أنا حرة مخيلتي ونسج خيالي أسطورة أن أصبح صحفية، أتقصى الحقائق، وأتعهد برد الحق لأصحابه مهما كان، لم تكن مفرداتي نضجت بعد، لكن شبت أناملي على اعتقاد أن للقلم أسنان يسنها في وجه الظلم، وأن القلم قد يصبح سيفا مسلول حين يمتلك الحقيقة والموضوعية وحب الوطن.
 
عشرون عاما جبت فيها أغلب وكل جرائد مصر سواء الحزبية أو المستقلة، وتوجت فيها خبرتي باستقراري في مؤسسة اليوم السابع، تجربة في وقتها كانت جديدة، لكنها أصقلت كل الخبرات، بخبرة أكثر تميزا.
 
في بلاط صاحبة الجلالة زملاء كثيرون، لم تشغلهم المناصب، ولم تغريهم المغريات، وظلوا في مواقعهم يكتفون باشباع شبق الكتابة وموضوعات تفتقر للمصالح والحسابات، ورغم عدم تحققهم المادي، إلا أنه يكن لهم الجميع احترام يفوق الحد، فهم رهبان صاحبة الجلالة الذين زهدوا زهوها وبريقها واختاروا لقب خدام صاحبة الجلالة لا يبتغون منها سوى قلبها الذي ينطق بعيدا عن الهوى فهؤلاء هم الإعلاميون الحقيقيون.
 
مربط الفرس هنا ليس تبجيل وتمجيد الزملاء، الذي يشرفني أني يوما عرفتهم، وقربت من حيز وجودهم، وكنت منهم، لكن المحزن الحقيقي الذي يأن له القلب، تلك الحالة التي اكتسحت في طريقها كل جميل، ومع فتح ماسورة الفضائيات، ظهر أصحاب النفوس الضعيفة، الذين فشلوا في مسارهم الطبيعي فقرروا أن يغرقوا في هالة صاحبة الجلالة وجلباب الإعلاميين، الذين أغرتهم الميديا التي طالما كانت تصور الإعلاميين أنهم يعيشون حياة ثرية ويملكون سلطة لا حدود لها.
 
اجتذبت مجموعة القناة الفضائية المشبوهة التي اشتراها حفنه من تجار المخدرات والخردة، والقمامة، والعطارة، لم يتمكنوا من التحقق في مجالاتهم الطبيعية التي درسوها فمنهم المحامي والحرامي والطبال والزمار وابن السبيل، حين حاصرهم الفشل في تخصصاتهم قرروا أن ينهلوا من الماسورة ليضعوا دبوس الأناقة على أسمائهم، ليكتسبوا احترام صنعه غيرهم من الأناس الإعلاميين المحترمون الحقيقيون -على طريقة القرعة اللي بتتباهى بشعر بنت أختها- ونسوا أنه أبدا لا يستوي الذين يعلمون بالذين لا يعلمون.
 
 
هؤلاء المرتزقة العمل الإعلامي بالنسبة لهم سبوبة رزق تكسبهم وجاهة اجتماعية، لمجرد امتلاكهم 5 ألاف جنيه مقابل ساعة على الهواء، أو يعرفون من معه الـ5 آلاف يدقوا أبواب الفضائيات المسممة، ليسمموا عقول أطفالنا ونساؤنا وبيوتنا بمعلومات مغلوطة وأساليب مبتذله، وموضوعات مهتكة، ولا يفرق معهم أن يتم استخدامهم لتصفية الحسابات والنيل من سمعة شرفاء، لا لشيء سوى أنهم تقاضوا المقابل.
 
وسط هذا الوضع المذري هنا يكون السؤال حتمي أين ميثاق شرف العمل الإعلامي الذي يحتم على هذه القنوات تنظيف شاشتها من هؤلاء، لكن العجيب أنها أصبحت سمه، ويسئ كل منهم إلى المهنة، لمن يدفع، ويشوهون تاريخ.
 
يا سادة حين يختلط الزيت بالماء تصبح المسألة "بظرميط"، حين يصبح معيار المهنية والأعلام هو "هدخل كم للقناة" يتحول "الطبال" لإعلامي كبير، ويتحول تاجر الخردة لبروفيسور، ويتحول "العربجي" لمستشار، والمعلم لدكتور فمن يملك يصبح صاحب لقب.
 
نحتاج ميثاق شرف وقرار حاسم، بمنع ظهور هؤلاء المرتزقة حفظا لماء الوجه لكل شرفاء المجال الذين تخذلهم سلوكيات هؤلاء الذين يعدهم الناس أنهم جميعا في سلة واحدة.
 
ملكة الإعلام لا تباع في سوق الخميس أو الجمعة، ولا تصنع ببذلة من الوكالة بـ150 جنيهًا، القلب لا بد أن يماثل القالب، بعيدا عن المشهلاتية وأبناء السبيل.
 
وأخيرا الإعلامي الصح هو الصحفي الصح، الذي يمتلك رؤية حقيقية تعيد بناء الأوطان لا تخربه، الإعلامي هو من يعرف كيف يكتب ويصيغ ويصنع خبر، كيف يختلف برقي ويدير معركته بنزاهة، وكيف تكون الموضوعية في طرح الحقائق والإيجابيات لتصبح نماذج يحتذى بها.
 
لا أمتلك القدرة على تعديل السلوكيات ولكني أمتلك الحق في الاعتراض أن يوضع أسمى بجوار هؤلاء، وأن يوضع شرفاء كثيرون ومحترمون يستحقون بجداره لقب الإعلامي الكبير، في ذات الخانة التي يساوى فيها الغلابة بينهم وبين من تتصدر صورهم الميادين والمحافل وبكل "بجاحة" يسبق اسمهم لقب الإعلامي الكبير.
 
لن تنالوا من شرف المهنة، ولن تتساوى أبدا مع من منحوا حياتهم في بلاط صاحبة الجلالة وسيظل العظماء عظماء وسيبقى المرتزقة مرتزقة وسيعرف الناس الفرق، وهنا لن يكون مجال لمثلنا الشعبي العظيم "القوالب نامت والانصاص قامت".

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق