حسم معركة الإرهاب الفكرية

الثلاثاء، 26 ديسمبر 2017 03:53 م
حسم معركة الإرهاب الفكرية
حسين عثمان يكتب:

وسط حضور كبير تجاوز توقعات الجميع، شرفت هذا الأسبوع بحضور افتتاح المجلس الأعلى للثقافة صالون ابن رشد، والذي يعد أولى رسائل الدولة المباشرة بالتنوير في مواجهة الإرهاب، والتي أتت من خلال نقلة نوعية لمسيرة حياة الفيلسوف الكبير الدكتور مراد وهبة، في رحاب تنوير الفيلسوف الإسلامي المجدد ابن رشد، والتي توجها بتأسيسه منتدى ابن رشد منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، حيث دعاه وزير الثقافة حلمي النمنم بجرأة انتظرناها طويلاً، أن يحتضن المجلس الأعلى للثقافة هذا المنتدى، كنواة لمبادرة رسمية تحمل اسم صالون ابن رشد، وبحيث يعقد بمقر المجلس في موعد ثابت، يوم الأحد الثالث من كل شهر في السادسة مساءً.

ومفاجأة الحضور الكبير لم تكن في تواجد النخبة بقدر ما كانت في هذا التجمع الحاشد من الجمهور، وعلى اختلاف فئات المجتمع العمرية، وكذلك التوجهات الدينية والفكرية، وهو ما يؤكد الرغبة الجمعية نحو استعادة الوعي المصري، وحسم معركة الإرهاب الفكرية، وإن كان تفاعل الحضور تميز بتباين الرؤى حول المنهج، إلا أن التوافق حول المبدأ ساد إلى حد الإجماع، وهو ما يطمئن إلى أن قضايا تجديد الخطاب الديني والفكري والثقافي، أصبحت تشغل مساحة هامة تستحقها في حياة الجميع الآن، وبمفهوم أن التنوير هو الحل في مواجهة الأصولية، أي أن الجرأة في إعمال العقل، هي الحل في مواجهة التهور في إبطال إعمال العقل.

ولعل تعريف التنوير في مواجهة الأصولية بهذا الشكل، والذي يعد من أهم ما طرحه الدكتور مراد وهبة في محاضرته الافتتاحية بصالون ابن رشد، وبجانب تأكيده أن مفهوم الأصولية هذا، ينطبق على كافة الأصوليات الدينية، الإسلامية والمسيحية واليهودية، يشير إلى ضرورة أن يبدأ الصالون معركته الفكرية بتأصيل المفاهيم، وعلى نحو علمي مبسط يسمح بتفاعل كافة شرائح المجتمع مع أنشطته المستقبلية، فمجموعة كبيرة من أزمات المجتمع المصري الراهنة، تعود بالأساس إلى غياب المرجعية العلمية في تناول الأمور، وفي مقدمتها الشأن الديني، والمعقد في الأصل نتيجة خلط المفاهيم، وسوء استغلال النزعة الإيمانية في نفوس عباد الله، وهو ما لم يرسخ داخلهم إلا الهواجس.

وفي إطار تأصيل المفاهيم، أعاد الدكتور مراد وهبة تدشين تعريفه الخاص لمعنى العلمانية، بأنها التفكير النسبي فيما هو نسبي، فلا أحد من البشر يملك المطلق، كما أن تسطيح العلمانية في فكرة فصل الدين عن الدولة، هو أمر يخالف المنطق لاستحالة حدوثه، وحين استعرض الفيلسوف الكبير تطور مفهوم تكفير إعمال العقل بما يخرج على إجماع الأئمة، من القطع بالتكفير دون التصريح بالقتل عند حجة الإسلام الإمام الغزالي، إلى القطع بالتكفير مع التصريح بالقتل، بل ومع وجوب أن ينوب آحاد الناس في أداء المهمة إذا تقاعس الحاكم عند الشيخ محمد الغزالي، أكد الرجل رفضه التام لفكرة القتل حتى إذا قبلنا بفكرة التكفير.

وجاء التعقيب من المفكر الإسلامي الدكتور ثروت الخرباوي، والذي أكد أنه لا يمكن بأي حال قبول فكرة التكفير، لأنها وثيقة الصلة بما يدور في خلجات ونوايا لا يطلع عليها إلا الله سبحانه وتعالى، ودلل على ذلك ببعض آيات من القرآن الكريم، وهو ما اعتبره الدكتور مراد وهبة إضافة قيمة لطرحه، حين طالبه المتابعون بخبث بالرد على تعقيب الخرباوي، ومثلما طالب بعض الحضور بإطلاق شعار العلمانية هي الحل بقوة للخروج بالمجتمع المصري من أزمته، وذلك دون مواربة أو تجميل باستخدام مصطلحات من عينة الدولة المدنية أو خلافه، أكد البعض الآخر أن التنوير لابد وأن ينطلق من داخل الدين حتى يؤتي ثماره.

ولم تبخل علينا أجواء الصالون الساخنة، فمنحتنا البهجة الفكرية على لسان أحد بسطاء الحاضرين، والذي طلب الكلمة بخفة دم المصريين المعهودة، وبتلقائية أسرت النفوس، قدم نفسه بأنه بقال تعلم الفلسفة على أيدي الفيلسوف الكبير مراد وهبة، فهو من أنزلها من المنصات الأكاديمية إلى الشارع، مثلما أنزلها سقراط من السماء إلى الأرض، وأشار إلى أن رجل الشارع له صوت لابد وأن ينصت له دعاة التنوير، إذا أردنا تحقيق نتائج سريعة ومؤثرة وفاعلة، وهي المداخلة التي نبهت الحضور، إلى أهمية الانطلاق بصالون ابن رشد خارج أروقة وزارة الثقافة، ومع الحرص على الوصول به إلى الجميع، في كل أرجاء المحروسة، وبكافة الوسائل الممكنة.      

المواجهة الفكرية للإرهاب، وإزالة دواعي الصراع بين العالمين الإسلامي والغربي، هي الغاية المزدوجة لصالون ابن رشد، كما أكد وزير الثقافة حلمي النمنم على لسان الدكتور مراد وهبة في محاضرته الافتتاحية، والمدخل يراه الفيلسوف الكبير في تأسيس تيار الرشدية العربية، داعياً الحاضرين جميعهم إلى المشاركة في عضوية اللجنة التأسيسية لهذا التيار، والتعاون خلال الجلسات القادمة لصالون ابن رشد لوضع منهج عمل فعال، يتواصل به التيار في أسرع وقت ممكن مع مختلف مؤسسات الدولة، وأولها تلك العاملة على ملفات التعليم والثقافة والإعلام، بما يسهم في تجديد العقل المصري، وإعادة صياغة الشخصية المصرية، وهو ما نراه الأمل في الخروج بمصر من النفق المظلم.

 

 

 

        

             

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق