النار والغضب في بيت ترامب

الخميس، 11 يناير 2018 11:57 ص
النار والغضب في بيت ترامب
إيهاب عمر يكتب:

استقبلت الأوساط السياسية الأمريكي عام 2018 بالضجيج المفتعل حيال كتاب "نار وغضب، داخل بيت ترامب الأبيض" Fire and Fury: Inside the Trump White House للكاتب مايكل وولف الشهير بكتابه السيرة الذاتية للملياردير الجمهوري روبرت مردوخ.
 
رغم ان أوساط الحزب الديموقراطي، واتباع باراك أوباما وهيلاري كلنتون وجون كيري، وجوقة النيوليبراليين المعارضين لليمين القومي الأمريكي الداعم لترامب، هم من احتفى بالكتاب، الا انه صناعة جمهورية خالصة، ما يشير الى هذا الكتاب محاولة من إحدى اجنحة الحزب الجمهوري لأضعاف الرئيس الجمهوري عشية احتفاله بانتهاء العام الأول من رئاسته.
 
المؤلف كان دائماً مقرب من رجالات الحزب الجمهوري بما فيهم مردوخ ، واجري 200 مقابلة مع شخصيات ينتمي اغلبها الى إدارة ترامب او الحزب الجمهوري، وقد قبل كافة هؤلاء بشكل ضمني الحديث علناً في كتاب منشور ضد ترامب.
 
والكتاب اشبه بوصلات نميمة، اغلب اسراره التي يكشفها للمرة الأولى سبق وان قدمها كاتب هذه السطور في مقالات سابقة، سواء تنسيق أمريكا مع الرباعي العربي عشية بدء مقاطعة قطر الممول الرئيسي للإرهاب، ودعم أمريكا عملية إزاحة بن نايف الموالي لتركيا على حساب بن سلمان المرحب بالتعاون مع مصر، بالإضافة الى معرفة الاتراك بانه العلاقات مع أمريكا في زمن ترامب لن تكون ذهبية كما جرى في سنوات أوباما وهو امر ذكرته في كتاب "خريف العولمة الامريكية"، الذى يضم فصلاً كاملاً عن آل ترامب وتاريخ والده فريدريك ترامب في دعم إسرائيل ما يعني ان قرار ترامب الأخير بنقل السفارة الامريكية من تل ابيب المحتلة الى القدس المحتلة ليس هروباً من ازمة داخلية او تحت تأثير صهره اليهودي ولكن العلاقات بين آل ترامب وإسرائيل و آل نتنياهو اعمق بكثير مما يظن البعض، وعن رؤية ترامب لإيران بانها الخطر الأكبر فأنه امر ذكرته ايضاً في كافة مقابلاتي التلفزيونية عام 2016 قبل انتخاب ترامب.
 
وفى إحدى المقالات السابقة تحدثت عن سعى ترامب لتوريث السلطة يوماً الى ابنته ايفانكا ترامب، التي تحولت للدين اليهودي عقب زواجها من جارد كوشنر، لتصبح اول امرأة وأول شخص غير مسيحي ويهودي يتولى رئاسة أمريكا، وفى ثلاث مقابلات تلفزيونية عقب قرار ترامب بنقل السفارة الى القدس تحدثت عن سياسة "الامر الواقع" و"الواقعية السياسية" التي يعتنقها ترامب والتى يؤكد الكتاب انه يعتبرها مذهبه السياسي.
 
كما انه لا جديد حيال وجود انقلاب داخل إدارة ترامب حيال رجالات اليمين القومي وقد قمت برسم تفاصيل هذا الانقلاب قبيل اقالة بانون بأربع أشهر في مقال سابق، كذا وجود حرب داخلية بين البيت الأبيض وبعض الإدارات الامريكية الأخرى في صراع اشبه بمراكز القوي.
 
ولكن المزيد من التفاصيل مهم للغاية لمزيد من الفهم، على سبيل المثال غاب على كافة الأقلام العربية التي علقت على الكتاب حتى اليوم هذا الوجود المفاجئ لهنري كسينجر في أورقة إدارة ترامب، وقوله لبعض مستشاري ترامب انه جارد كوشنر هو هنري كسينجر الجديد.
هاينز الفريد كسينجر.. مواليد 1923 ويكمل 94 عاماً خلال 2018.. المهاجر الألماني الهارب من جحيم النازي الى المانيا، أبدى في شبابه مهارة استراتيجية فائقة في رسم السياسات الخارجية وقراءة المشهد الدولي، وبينما في دول العالم الثالث أمثال كسينجر يقبعون في بيوتهم حتى سن الخمسين على الأقل، نظرا لسيطرة ديناصورات الحقل الاكاديمي العفن على الساحة في ظل مجتمعات بيروقراطية منتهية الصلاحية يقدس الاقدمية الوظيفية على حساب الموهبة والمهارة والقدرة على العطاء، فأن الغرب يقوم فوراً بتوظيف هؤلاء العباقرة أمثال الألماني هاينز كسينجر والبولندي زبجنيو بريجينسكي في مناصب داخل اعتي اجهزته الاستخباراتية.
 
هؤلاء الشباب لعبوا كمستشارين لدي المؤسسة العسكرية الامريكية ثم المخابرات الامريكية دوراً هاماً في رسم سياسات أمريكا في الحرب العالمية الثانية ثم الحرب الباردة، قبل ان يتم تصعيدهم الى منصب مستشار الامن القومي.
 
يبدو كسينجر وكوشنر شديدي الشبه بالفعل، كلاهما يهودي، كلاهما يأتي للبيت الأبيض في زمن رئيس يسمح لهم بنفوذ قوي، ريتشارد نيكسون سمح لكسينجر من واقع ضعف نيكسون وترنحه، وترامب سمح لكوشر من واقع انه صهره.
 
تأثير كسينجر لم يذهب الى نطاق كوشنر فحسب بل ترامب ذاته، وكلاهما الماني الأصل، حيث يتم وصف سياسة الواقعية السياسية التي يؤمن بها ترامب في الكتاب باعتبارها الواقعية الكسينجرية، وانه باختصار "من يملك شيئاً سوف يحتفظ به"، وهذه الجملة تحديداً هي مفتاح فهمنا لرؤية ترامب حيال القضية الفلسطينية.
 
نفاجئ عبر صفحات الكتاب ان ترتيبات الرباعية العربية لضرب المشروع الإقليمي الإرهابي لقطر قد تمت في قمم الرياض الثلاث خاصة القمة الامريكية الإسلامية، والمفاجئ هنا انه حاكم قطر تميم بن حمد آل ثاني كان حاضراً للقمة ما يعني ان هنالك اجتماعات سرية ولا يعرف بها بعض الأطراف الحاضرة قد تمت، وان عملية 5 يونيو – 10 رمضان 2017 للرباعية العربية لمقاطعة قطر قد جرت بشكل او باخر امام اعين الأمير القطري عديم الخبرة السياسية في اكبر فصول السخرية السياسية في العصر الحديث.
 
وعلى لسان إحدى مستشاري ترامب في الكتاب، نصاً انه ترامب يعتبر قطر الممول الرئيسي للإرهاب في العالم، وانه سعد بتنمر السعودية حيال قطر في قمم الرياض، لأنه يوضح جدية الرياض في مكافحة هذا الإرهاب، بينتما ينتقد مستشار اخر تجاهل ترامب لتاريخ دعم بعض امراء آل سعود للإرهاب وحصر رؤيته حيال قطر فحسب.
 
هذه الجملة العابرة خطيرة للغاية، وتوضح بجلاء انه معاقبة السعودية بسبب دورها في دعم الإسلام السياسي هو مشروع سياسي في ادراج النخبة السياسية الامريكية، وانه كلما سارعت السعودية بالتنصل من هذه الحقبة والتوجه الى إصلاحات ليبرالية مجتمعية كلما كان أفضل، من هنا نتفهم عبقرية خطوات الأمير محمد بن سلمان، فهو يغادر سفينة الإسلام السياسي الغارقة بإيران وقطر وتركيا والاخوان والقاعدة وداعش، فاذا فكر أحدهم في معاقبة السفينة فأن ايران أولى اليوم بالعقاب.
 
وحول العلاقات بين أمريكا والسعودية، يوضح الكتاب ان بن سلمان اتصل بحملة ترامب فور اعلان انتصاره ولم ينتظر حتى تنصيب الأخير، وان هذه الاتصالات كانت مربكة للمخابرات الامريكية ووزارة الدفاع على ضوء العلاقات القوية التي تجمع المؤسسات العسكرية والأمنية والاستخباراتية الامريكية مع ولى العهد السعودي وقتذاك الأمير محمد بن نايف، حيث تفضل مؤسسات الدولة الامريكية بن نايف على بن سلمان، ولكن ترامب تواصل مع بن سلمان بمعزل عنهم، ثم استقبله في مارس 2017 بتنسيق من كوشنر.
 
تحسن العلاقات المصرية السعودية بترتيب من ترامب اثناء الزيارة وإعادة النفط السعودي لمصر بمكالمة هاتفية من بن سلمان عقب دقائق من انتهاء لقائه مع ترامب كان إشارة واضحة لمراكز القوي الامريكية ان ترامب اختار تحالفاته في الشرق الأوسط، ويتحدث إحدى مستشاري ترامب ان الأخير يرى في بن سلمان القدرة على القيام بإصلاحات تحول السعودية الى مملكة عصرية مثل دبي.
 
يتضح مما سبق حجم الضربة الاستراتيجية الهائلة التي جرت من واشنطن للقاهرة لأبو ظبي الى الرياض يوم تمت إزاحة بن نايف لصالح بن سلمان، حيث خسرت مؤسسات الدولة العميقة في أمريكا رجلها الأول في الخليج بل والمنطقة العربية باسرها، وظفر صديق البيت الأبيض بهذا المنصب وبدأ في ترتيب البيت الداخلي لثورته الاجتماعية واستكمال صعوده المنطقي كولي للعهد الى سدة حكم المملكة العربية السعودية.
 
وعن الشرق الأوسط يتحدث الكتاب ان ترامب يفهم جيداً انه الليبرالية الدولية – او كما يطلق عليها كاتب تلك السطور "شبكات المصالح الغربية" – مشلولة بسبب انتصاره في انتخابات الرئاسة، الا ان الشرق الأوسط المسألة مختلفة باعتباره رقعة شطرنج مغلقة، ويرى ترامب – بحسب احدى مستشاريه – انه الافراط في التنظير في سنوات أوباما والعسكرة الأخلاقية في سنوات بوش الابن عرقلت أمريكا في الشرق الأوسط، بينما ترامب يرى ان الواقعية السياسية realpolitik هي الحل الأمثل للتحرك.
 
والواقعية السياسية في نظر ترامب الى جانب ان كل ما يملك شيء ولو بالقوة او الاغتصاب سوف يحصل عليه شريطة ان يكون حليفاً لأمريكا، نجد ترامب يرى ان عدو عدوي هو صديقي بامتياز مهما كان هوية هذه الشخص، وان ديباجات حقوق الانسان والديموقراطية التي استخدمتها الإدارات الامريكية في سنوات بوش الابن واوباما باعتبارها معيار لاختيار حلفاء أمريكا قد سقطت في سنوات ترامب.
الجنرال مايكل فلين، مدير المخابرات الحربية الامريكية الأسبق الذي يرى انه لولا المشير عبد الفتاح السيسي لتم تدمير مصر، وقد عين فلين لاحقاً لأول مستشار للأمن القومي في إدارة ترامب قبل ان يستقبل بمؤامرة داخلية، هو الذي رسم لترامب سياسته المتشددة حيال ايران ونسق معه المعطيات الكافية ليعرف ترامب ثقل الملفات الإرهابية الضالعة بها ايران.
 
توصيات فلين تحولت الى حقائق اليوم وتعتبر إيران هي الهدف الأول لترامب طالما بقا في البيت الأبيض، ويعود كسينجر عبر كوشنر متحدثاً الى ترامب بالقول ان الشرق الأوسط يتضمن أربع قوي عظمي، مصر وإسرائيل وإيران والسعودية، وانه حال قيام ترامب بتجميع ثلاث قوى معه فان امر الرابعة سوف يكون سهلاً.
 
ترامب سعد للغاية بزيارته الى السعودية، وقد ناقش مع السعوديين نقل مقر القوات الامريكية في قطر الى السعودية إذا ما اقتضى الامر، في قمة غاب عنها الاتراك لمعرفة رئيسهم رجب طيب اردوجان ان العصر التركي الذهبي مع أمريكا قد ولى.
 
هذه المعرفة جرت عبر محاولات يائسة وفاشلة لاردجان للاتصال بحملة ترامب عقب فوزه، عبر رجال اعمال اتراك في أمريكا، وقد تفهم الاتراك على ضوء أبواب ترامب المغلقة أواخر عام 2016 ان هنالك اوقاتاً صعبة تنتظر علاقات الإسلاميين الاتراك مع الامريكان في زمن ترامب.
 
ويفرد الكتاب مساحات ضخمة لستيف بانون زعيم يمين القومية الامريكية، وهو المستشار الاستراتيجي المقال للرئيس ترامب عبر مؤامرة داخلية، الذي قال عقب اقالته انه سوف يبدأ ثورته وان الشتاء قادماً، وها قد حل الشتاء بهذا الكتاب عن النار والغضب تحت الرماد في إدارة ترامب.
 
يقول بانون انه نسق مع ترامب خطة لإعطاء القدس الى إسرائيل والضفة الغربية الى الأردن وقطاع غزة الى مصر، وان المصريون والسعوديين يغرقون في سيناء وليبيا واليمن.
 
يبدو حديث بانون هنا مخالف للرؤية الإسرائيلية التي لا تكتفى بالقدس فحسب بل وقامت أوائل عام 2018 بسن قرارات برلمانية تسمح بمزيد من النفوذ على مستوطنات الضفة الغربية، كما ان إسرائيل التي تريد تهجير سكان غزة الى سيناء من اجل الاستيلاء على غزة وتستخدم إرهاب حماس وداعش واخواتها في سيناء من اجل إخراجها عن السيطرة المصرية او المخطط المستقبلي بعملية عسكرية إسرائيلية شاملة حيال القطاع تجبر اهله بأشراف حماس وموافقة إيرانية قطرية تركية بالهروب الى سيناء، كلها تفاصيل تجعلنا ندرك ان ترامب لم يكن صادقاً مع بانون منذ البداية وقد استخدموه في الترويج لنقل السفارة الامريكية الى القدس فحسب بالإضافة الى وجود كتلة شعبية هائلة خلف بانون كان ترامب بحاجة اليها انتخابياً.
 
ولكن بانون يبدي رؤية استراتيجية فائقة بالقول انه مشكلة أمريكا لا يجب ان تكون مع روسيا بل الصين، وان الصين اليوم مثل المانيا النازية ما بين عامي 1929 و1930 وانه اذا ما صبرنا اكثر من ذلك سوف نواجه دولة قومية عظمي ولن نستطيع – والكلام لبانون – إعادة المارد للقمقم.
 
ويبالغ الكتاب في وصل سيطرة يهود أمريكا على مجتمع الرأسمالية في نيويورك، حتى انه يصف نيويورك باعتبارها أكبر مدينة يهودية في العالم.
 
على ما يبدو ان بعض اجنحة الحزب الجمهوري قد بدأت مبكراً لعبة الانقلاب الكبير على ترامب، وإذا كان اليمين القومي الأمريكي قد تعرض في ربيع 2017 لانقلاب دبره اليمين النيوليبرالى الجمهوري على يد كوشنر وايفانكا، فانه اليمين المحافظ او المحافظين الجدد يستعدون لانقلاب كبير مقبل، ويبدو ان مايك بنس نائب الرئيس الذى لم يتعرض له الكتاب بكلمة واحدة مسيئة هو الواجهة المقبلة لهذا التيار لخلافة ترامب اما باستكمال ولايته حال اقالته – كما ينص الدستور الأمريكي – او الدفع به مرشحاً رئاسياً في نوفمبر 2020 بديلاً عن ترامب.
 
مجتمع تكساس الذي دبر يوماً لعبة مماثلة عبر ليندون جونسون نائب جون كينيدي، على ما يبدو انه يقف اليوم ايضاً مع جزء من اللوبي اليهودي والمحافظين الجدد داخل الحزب الجمهوري ضد ترامب.
 
انها سنوات الضباب، حيث تتصارع ثلاث اجنحة من اليمين القومي والنيوليبرالي والمحافظ داخل الحزب الحاكم، وصراع مراكز قوي بين البيت الأبيض والمؤسسات الامريكية، وصراع بين ترامب وبعضاً من رجال ادارته، هذا الصراع لأنه يحدث في أمريكا الدولة الكبرى مهما حاول البعض تخدير نفسه بتهميشها قد انتقل الى ملفات خارجية، بين رغبة ترامب في كبح إيران ورغبة البعض في لعب الدور ذاته ضد السعودية ورغبة فريق ثالث في استمرار تفاهمات بوش الابن – أوباما مع إيران.
 
وكما أوردت في أكثر من مقال سابق، تبدو عاصفة أمريكية عاتية قادمة في الطريق عقب رحيل ترامب، سواء بالإقالة او الاغتيال او خسارة الانتخابات او الوفاة، وحتى باستكمال ولايته الثانية، في النهاية.. العاصفة قادمة، والموجة الجديدة من المؤامرة يجرى نسج خيوطها، ويجب بكل مساوئ ترامب ان نستغل هذه الفرصة في ضرب معاقل الإرهاب اقليمياً في إيران وتركيا وقطر، ومحلياً عبر مشروع فكري وتعليمي يضرب الحاضنة الشعبية لإرهاب الإسلام السياسي والفكر المحافظ المتطرف.
 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق