بلطجة

الخميس، 11 يناير 2018 12:16 م
بلطجة
هبه العدوي تكتب :

-إعرفي يا دكتورة .. مدام (فلانة ) قريبها بطلجي  يطلع عليكِ بسكينة كدا ولا كدا .. وحضرتك حامل !!

أتذكر مشاعري وقتها ..والتي فقدت معها قدرتي علي الرد و شُلّ تماما تفكيري .. وكان الوهن قد أصابني وقتها بسبب حملي في ابني..ضغط لا يتجاوز التسعين, خمسين .. وصحة عامة ضعيفة ..

 لم أفهم من أين جاءت تلك الممرضة بكل هذا الجبروت ..تهددني صراحة وبمنتهي الوقاحة في صيدليتي داخل مستشفي الدمرداش الجامعي ..

***

لا أعلم والآن أنا في ثلاثيناتي وقد مر بي من الأزمات ما مر, لو صادفت تلك الممرضة ثانية ماذا كنت سأفعل !!

بالتأكيد كنت سأقابل ما فعلته معي بمزيدٍ من رد القوة بمثلها .. ولكن وقتها كنت بالتأكيد, أضعف ..

ذهبت لمدير الشئون الصيدلانية لأقص عليه ما حدث.. فحدثني أنني إذا ما إشتغلت كثيراً, كثرت أخطائي وبالتالي جزاءاتي.. أما إذا لم أعمل كثيراً, فلن أخطيء وبالتالي لن تحدث لي أي مشاكل ..

وقفت أمامه مذهولة .. هذا الذهول الذي لو صادفك في بدايات عملك متعرفا  علي الوجه الآخر للحياة, ربما افقدك النطق وألجم لسانك عن الرد .. وبالفعل هذا كان رد فعلي سائلة نفسي بيني وبينها هل ما أشاهده هو فيلم سينمائي رخيص؟؟

الآن أدرك تماماً كيف خُرِبَت كل المنشآت الحكومية المصرية .. فقط بإتباع إستراتيجية مديري, أعلاه ..

***

لك أن تتخيل أني نُقلت وقتها من صيدليتي الخاصة بقسم جراحات السكر إلي قسم الشاش والقطن في مبني آخر..لملمت أوراقي وأتذكر يومها الجدران التي أصابها تلف الزمن فتركها قبيحة وزادها هذا التقشير في الدهان كآبة ..عبرت قطة من ورائها أخري ..فالقطط كانت تملأ العنبر الذي به مرضي جروحهم مكشوفة ولو فًرِض وتلوثت, أصاب المريض الغرغرينا فأصبحت أيامه في دنياه معدودة ..

أظنني حبست دموعي إلي الآن .. أظنني قد تخيلت الممرضات وهن فرحات بذهابي ..

لماذا كان ما كان ؟؟

دعوني أقص عليكم الحدوتة ..

***

بدأت في 2003 عملي في مستشفي الدمرداش الجامعي .. كنت وقتها قد أتممت عملي في شركة " سانوفي "وقررت أنهي تكليفي حتي أستطيع العمل في" الماركيتينج " دون أن تعوقني سنة التكليف عن تنظيم مستقبلي المهني ..ولكن تغيرت خطة عملي بزواجي .. فقررت أن أختار ترك مستقبلي المهني وأن أختار بناء مؤسسة الزواج لفترة حتي يقف أولادي- إن رزقني الله بهما- علي أرجلهم  ..وعلي هذا قررت أن أكمل  العمل في المستشفيات الجامعية علي سبيل التجربة ..وطالما كانت أكثر ملائمة للزوجة والأم .. ولكن هل كان يلائم طبيعتي وشخصيتي ؟؟

ذلك ما كنت معه علي موعد .. مع تجربة هذا العمل ..

***

والذي بدأته بكوني مع صيدلانيات يكبرونني بأعوام عديدة ..كانوا في مثل سن والدتي .. يجلسون في غرفة لا تتجاوز بضعة أمتار..تتزاحم فيها المكاتب متراصة,  في مشهد يصعب معه  فهم كيف تراصت داخل تلك الغرفة الضيقة !!

أصبح لي مبدأيا كرسي, علي أن اشارك إحداهن الجلوس علي مكتبها .. كانوا  كلما شاهدوني, يمطرونني بسيل من الاسألة الفضولية عن حياتي .. عن زوجي ومهري وتفاصيل شقتي وأين تقع  وغيرها  من تلك الأسألة التي تخرج من الفارغين داخليا .. هؤلاء الذين ينهون عملهم في بضع الوقت ..أما باقيه فيقضونه في الطعام والكلام والنمّ علي خلق الله .. إلا ما رحم ربي من صيدلانية أو أكثر ..

كان هذا المناخ بالنسبة لي كريها للغاية .. خاصة أني وقتها كنت عظما طريا لا أعلم كيف أوقف سيل فضولهم المريض ..

حمدت ربي يوم أن إنتقلت لغرفتي في صيدليتي الخاصة في قسم جراحات السكر ..

 

***

 

كانوا بمجرد صرف الأدوية .. ينزلون لحجرة تُعَد أكبر الصيدليات في المستشفي .. يأكلون معاً طعام الإفطار .. طعمية ونواشف وكيك أعدته خصيصا دكتورة فلانة ودكتورة علانة.. وبالطبع مع الأكل أو بعده هناك أكل لحوم البشر .. وهل أعينهم الممتدة في حياة غيرهم والتي تلتهب بذكرها ألسنتهم ليست أكلاً منهم للحوم أخواتهم !!

ولكن هل هناك أي درجة وعي رغم الدرجة العلمية العالية ؟؟

أشك ..

***

وعلي اثر ذلك ..لم أبارح صيدليتي بعد صرف الأدوية للممرضات إلا فيما ندر .. كان هذا المناخ ساماً ويقتلني ..

كيف إذن أقضي هذا الفراغ في الوقت ؟

كنت أفتش في كل تذاكر الأدوية التي تأتي لي بها الممرضة .. أفتش في تاريخ المريض وكيف دخل المستشفي وإلي أين إنتهي به الحال .. طالبة من الممرضات أن تترك لي التذاكر لأراجعها ..

نسيت أن أصف لكم التذاكر .. هي عبارة عن كراسة بها كل المعلومات عن المريض .. كنت أتصفحها فوجدت فيها مصيبتان أحدهم تتعلق بسرقة عمر المرضي .. والأخري تتعلق بسرقة أموال الدولة ..

***

أما الأولي فلقد رأيت أن شركات الأدوية وبعد دخول مناقصات الأدوية تعطي (ديسكات ) للمضادات الحيوية محددة حسب الأدوية التي دخلت المناقصة ..

لا أنسي أبدا كيف كانت تذكرة مريض السكر تبدأ ولا تنتهي أبدا ..  ويلصقون الكراسات ببعضها في سلسلة علاج يكتب سطر نهايتها فقط, الموت ..والله يرحمه هذا المريض الذي دخل المستشفي ليجد علاجاً فإذا به ينتقل للرفيق الأعلي ..

هي سنة الحياة, شرط أن لا تكون بأيدينا ..

 

فمعروف ان أي مريض سكر تكون مناعته ضعيفة ولا تلتئم جراحه بسهولة .. فلذلك كانت (ضرورة ) أن يقوم الدكتور المعالج له بعمل مزرعة ( يعرف بها تحديدا ما نوع الميكروب ) والذي بدوره بمجرد معرفته تستطيع كطبيب أو صيدلي إكلينيكي أن تصف المضاد الحيوي الذي سيقضي تماما عليه ..

ولكنها كانت مزارع صورية .. لأن (ديسكات المضادات الحيوية ) التي تتبع المناقصة هي الوحيدة المتواجدة مما يؤدي بالمريض أن يأخذ مضاد حيوي (بالبركة ) وقد يشفيه وقد يزيد مناعته رفضا للإستجابة لأي مضاد حيوي غيره .. ولقد قمت بنفسي بإعداد بحث خلال سنوات دراستي في كليتي الصيدلانية, عن الإستخدامات السيئة والمغلوطة للمضادات الحيوية وتأثيراتها المميتة علي المرضي ..

هكذا كانت تُسرق حياة المرضي ..

 

***

أما عن سرقة أموال الدولة ..فلقد إكتشفت أن النواب الأطباء يكتبون للممرضات العديد من المضادات الحيوية علي التذاكر الخاصة بالمرضي .. بناءا علي طلب الممرضات بالطبع .. هذه الأدوية لا تذهب للمريض ..بل تأخذها الممرضات وتبيعها للصيادلة خارج المستشفي ممن باعوا ضمائرهم ..يمحون ختم وزارة الصحة ..ثم يبيعونها للمرضي بأسعار مُخفّضة عن تلك  الخاصة بشركات الأدوية .. وبهذا يحقق مبيعات أكبر .. وتكسب الممرضة منه مالاً حراماً .. وكله حرام في حرام ..

كيف عرفت ذلك ببساطة تتبعت سير إحتياجات المريض المنطقية للمضاد الحيوي مرة أو مرتين أو علي أقصي تقدير ثلاث مرات يوميا .. وأعددت ما تصرفه الممرضة منّي فوجدت الفارق كبير ..

***

ومن هنا بدأت الحدوتة ..التي إنتهت بتهديدي علانية .. وإنتقالي لصيدلية أخري .. علمت أيضا فيها أنهم يسرقون الشاش والقطن .. يستخدمونه كستائر أو ينظفوا به أماكنهم .. وبالطبع كانت إستقالتي في جيبي..

السرقة تجري في دمائهم إذاً .. ولا رقيب عليهم سوي ضمائرهم المخربة .. هؤلاء كانوا بلطجية عششوا في مستشفي لعلاج المرضي ..

كان ذلك سنة 2004 ..

الآن في 2017 .. تُري هل إختلف الأمر ؟؟

أتمنى حقا ذلك ..

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق