حب الله لا يكون حباً مشروطاً

الإثنين، 15 يناير 2018 12:47 م
حب الله لا يكون حباً مشروطاً
بقلم د.مهند خورشيد

في طريقه لحضور اجتماع توقف أحد زملائي واسمه أحمد أمام امرأة عجوز ترتجف من البرد وتطلب الصدقة، فمدّ أحمد يده إلى جيبه لإخراج ما يتصدق به عليها، ‏لكن صديقه المرافق له أوقفه وسأله: "من أين لك أن تعرف أنها مسلمة؟ يبدو من شكلها أنها ليست مسلمة". ‏فرد عليه أحمد متسائلاً: "وما المشكلة إن لم تكن مسلمة؟" فسارع صديقه بالرد: "إذا كانت غير مسلمة فلن تحصل على حسنات إن تصدقت عليها وستكون نقودك قد ضاعت هباءً". نظر أحمد ‏للسيدة ثم نظر إلى صديقه وقال له بعد بضع لحظات:"معك حق، انظر إلى رقبتها إنها ترتدي سلسلة معلقٌ عليها الصليب، هيا بنا نواصل سيرنا للإجتماع". ‏حين قص أحمد عليّ هذه الواقعة قال لي أن ضميره يؤنبه أن ترك السيدة العجوز التي بدا عليها الفقر وقلة الحيلة دون أن يمدّ لها يد المساعدة ولو حتى بيورو واحد تشتري به قطعة خبز تأكلها. ‏سألته: "لماذا لم تستمع إلى ضميرك وتساعد السيدة الفقيرة؟". فجاء رده: "لأنها لن تُكتب لي حسنات، فهي غير مسلمة". ثم دار هذا الحوار بيننا:

"إذاً أنت تفعل الخير فقط لتجميع الحسنات؟"

أحمد: "بالتأكيد. ‏المسلم يفعل الخير ليحصل على الحسنات".

أنا: "هذا جميل، ولكن لماذا تريد تجميع الحسنات؟".

أحمد: "كي أدخل الجنة، وكلما جمعتُ حسنات أكثر، ارتفعت مرتبتي في الجنة".

أنا: "ولماذا تريد أن تدخل الجنة وأن ترتفع مرتبتك فيها؟".

أحمد: "كي أستمتع بنعيم الجنة من طعام وشراب ونساء فقد حُرمنا الكثير هنا في الدنيا".

أنا: "إذاً يمكننا أن نقول أنك تفعل الخير من أجل أن تستمتع بالطعام والشراب والنساء؟"

أحمد: "فلأكن صريحاً معك: نعم، فهذا ما وعدنا الله به في الجنة".

أنا: "لكن إسمح لي من فضلك بسؤال: أين الله في كل هذه الحسابات والمعادلات؟".

أحمد: "ماذا تقصد؟ لم أفهم سؤالك".

أنا: "لقد تحدثتٓ عن تجميع الحسنات، عن مراتب الجنة وعن الطعام والشراب ‏والنساء، لكنني لم أسمعك تتحدث عن الله الذي قال في القرآن: 'وما عنده من نعمة تُجزى إلا إبتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى' أين هو الإخلاص في عمل الخير لوجه الله إذا كان الهدف الواعز هو مجرد الإستمتاع المادي؟".

نعم، هذا هو حال البعض منا. نفعل الخير سواءً كان صلاةً نصليها أو فقيراً نُعينه أو ظلماً نُغيّره طمعاً في المتعة المادية. إذاً نحن نتمحور في غالب أحوالنا حول أنفسنا وندور حين نتحدث عن الحياة بعد الموت حول تصور مادي للحياة الآخرة مما يجعلنا ماديين أكثر من المادية الغربية التي طالما إنتقدناها وننتقدها. فتصبح علاقة الإنسان بربه علاقة نفعية تنعكس على تشكيل الإنسان لعلاقاته مع محيطه الإجتماعي والبيئي، فلا يتذكر الله ويرفع أكفّ الدعاء إليه إلا إذا احتاج لشيء ولا يطرق باب معارفه وأصدقائه إلا لمصلحة، فإن أعطِي رضي وإلا سخط على ربه أو على معارفه وأصدقائه. وهكذا يصير مبدأ النفعية المادية أو مبدأ البراجماتية مبادئ حاكمة على تصرفاتنا وعلاقاتنا حتى بالبيئة، فنعاملها غير كارثين بالحفاظ عليها بل فقط وفق مصالحنا سواء وعينا ذلك أم لم نعه. فيصير الإنسان مُستهلكاً أكثر منه مُنتجاً. وإن أعطى أو فعل الخير فإنما يفعل ذلك لتحصيل مقابل مادي سواء في الدنيا أو في الآخرة. لكن إذا أراد الإنسان تشكيل علاقته بربه كعلاقة حب صادقة فلا يمكن أن تكون هذه العلاقة مشروطة بمنفعة أو مصلحة، لأن الحب الحقيقي لا يكون مشروطاً إطلاقاً. فمن أحب الله، لا يسأل عن المردود المادي لعلاقته مع الله، فحيث نبض القلب بحب الله وصل الحبيب إلى محبوبه ووجد ضالته ولم يعد يسأل عن منفعة أو مصلحة تُعكر صفو لقاء الحبيب بحبيبه.

فلنعد ولنطرح السؤال على أنفسنا مجدداً: أين حديثنا عن حب الله؟ أين هو وجه الله في نوايانا وتوجهاتنا؟ فالإخلاص لله لا يتحقق إلا إذا فعل الإنسان الخير لأنه خير وإذا ترك الشر لأنه شر. 

كثيراً ما كنّا نسمع في صغرنا هذه العبارة من آبائنا وأمهاتنا: إصنع الخير ثم إرمه في البحر. لقد فهموا معنى الإخلاص: إفعل الخير مخلصاً، لا منتظراً لتحقيق مصلحة! وهكذا يتحقق حب الله الخالص، فالله سبحانه وتعالى هو الخير والحب والرحمة. فمن أراد الله فلا بد أن يكون مريداً للخير وللحب وللرحمة دون شروط ودون مقابل. وما أجمل تعبير حجة الإسلام الغزالي حين كتب في كتابه "إحياء علوم الدين": 

"والعارفون مطلبهم تلك الحالة التى لا يتصور أن تخطر على قلب بشر في هذا العالم وأما الحور والقصور والفاكهة واللبن والعسل والخمر والحلى والأساور فإنهم لا يحرصون عليها ولو أعطوها لم يقنعوا بها ولا يطلبون إلا لذة النظر إلى وجه الله تعالى الكريم فهى غاية السعادات ونهاية اللذات ومثالهم مثال العاشق المستوفى همه بالنظر إلى وجهه والفكر فيه وهو محبوبه ولم يبق فيه متسع لغير محبوبه".

نعم، لقد تحدث القرآن عن نعيم الجنة المادي، لكن القرآن نفسه دعانا أن نبتغي ما هو أبعد من ذلك، أن نبتغي وجهه سبحانه وتعالى. فالقرآن يرتقي بالإنسان من عالم المادة إلى عالم الروح، فكم هو محظوظ من أتم الرحلة حتى وصل إلى محبوبه وَيَا أسفاه على من بقي في منتصف الطريق قد شغلته مصالحه المادية عن محبوبه الذي مد له يدي الحب والرحمة منتظراً وصوله مشتاقاً للقائه.

إن القرآن يطرق باب الإنسانية فينا، كي يرتفع صدى ضمائرنا، فيكون حبها للخير هو المحرك لعمل الخير والبعد عن الشر، فلا يسأل الإنسان عن دين أو عرق أو لون أو جنس من أمامه، يكفي أنه إنسان فإذاً له كل التكريم الذي كرمه الله له بما هو إنسان: "ولقد كرمنا بني آدم". فنحن إخوة في الإنسانية قبل كل شيء وعدونا هو عدو الإنسانية، هو الشيطان الذي رفض السجود للإنسان مع قبوله للسجود لله. فكم من ساجد لله، كافر بالإنسانية، سائر على درب إبليس الذي أسقطه رفضه تكريم الإنسان من عالم الملكوت إلى عالم الشياطين. 

إذا أردنا أن ننتقد المادية الغربية فلا يكفي التنظير، بل لا بد أن نكون قدوة في حياتنا اليومية للقيم الروحية، قيم الخير والرحمة. لقد كتب العديد من فلاسفة الغرب عن الأخلاق ولعلّ من أشهرهم، الفيلسوف الألماني كانت، الذي أكد أن الأفعال الإنسانية لا تكون خيرًا إلا إذا صدرت عن إرادة الإنسان لتحقيق الواجب، لا عن ميل مباشر أو رغبة في تحقيق مصلحة شخصية، فالإخلاص في تحقيق الواجب هو معيار الخير، وهذه الرؤية تحاكي النظرة القرآنية عن إخلاص العمل لوجه الله، لكننا نفتقد اليوم للتطبيق العملي لما نعرفه في تراثنا الإسلامي من مفاهيم عن إخلاص النية وإبتغاء وجه الله وذلك ليس في مجال العبادات فقط، بل وقبل كل شيء في تحديد الإنسان لدوره في هذه الدنيا ولعلّ البداية تكون في إعادة نظر الفرد منا في مدى كونه خادماً للإنسانية أم ثقلاً عليها. 

 

  

 

 

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق