إسرائيل العثمانية.. يوم وافق الخلفاء العثمانيين على توطين اليهود في فلسطين

الخميس، 18 يناير 2018 11:43 ص
إسرائيل العثمانية.. يوم وافق الخلفاء العثمانيين على توطين اليهود في فلسطين
إيهاب عمر يكتب:

من يتأمل الصراع العربي الإسرائيلي اليوم، لا يتصور يوماً أن العالم الإسلامي كان الملاذ الآمن لليهود حيال الاضطهاد الغربي، وأن اليهود كانوا يهاجرون من العالم الغربي للعالم الإسلامي، وعاشوا عصرهم الذهبي في كنف الفاطميين والأيوبيين والمماليك والعثمانيينوالأندلس.

وفى مقابل كل حملة صليبية لأوروبا على المشرق الإسلامي، هنالك حملة صليبية ضد يهود أوروبا، لعل أبرزها المجازر التي جرت في المانيا وفرنسا والمجر ضد اليهود، المعروفة بالحملة الصليبية الألمانية عام 1096، أومجازر راينلاند
Rhineland massacres، وكانت حجة قادة هذه الحملة هو لماذا نسافر الالاف الاميال لمحاربة الكفار بينما هناك بالفعل من هم أقرب الى الوطن في إشارة الى اليهود.

وكان المقاتل الصليبي يطلب من اليهودي ان يتحول الى الدين الكاثوليكي المسيحي ويتم تعميده في مياه نهر الراين إذا ما أراد تجنب القتل، ورفض المئات من اليهود التحول للمسيحية وفضلوا الذبح على ايدي الصليبيين.

في العصر الأخير للأندلس، حينما راحت غرناطة تتداعي امام أوروبا، جرت مذابح حيال مسلمي ويهود الاندلس، السلطان العثماني بايزيد الثاني أرسل السفن بقيادة الادميرال كمال ريس للدفاع عن غرناطة وعقب الهزيمة أصبحت مهمته نَقل المسلمين واليهود الهاربين من الاندلس الى الدولة العثمانية.

ثم صدر قانون في اسبانيا والبرتغال (الاندلس) بطرد كافة اليهود، فكان اليهود يتظاهرون باعتناق المسيحية لتجنب الذبح والتهجير، وأطلق عليهم لاحقاً يهود المارانو، واستكمل بابا روما بيوس الخامس إجراءات الطرد عام 1569 بطرد اليهود من إيطاليا وفرنسا.

وفى هذا الزمن، كانت عائلة ناسي اليهودية البرتغالية تهرب من البرتغال ثم اسبانيا، وقد تظاهروا باعتناق المسيحية، واستقروا ما بين جمهورية البندقية الإيطالية وبروكسيل في بلجيكا.

كان يوسف ناسي هو اول من فكر في اللجوء الى الدولة العثمانية، وقد أنهكهالهروب والاضطهاد في أوروبا، فراسل موسي هامون الطبيب الخاص للسلطان العثماني سليمان القانوني، وهو طبيب من يهود الاندلس، فطمأنه ان قيم التعايش والمحبة بين المسلمين واليهود تسود الولايات العثمانية ويكفي ان سلطانة البلاد كانت جارية يهودية اوكرانية الأصل تدعي روكسلانا قبل ان تشهر اسلامها وتصبح خرم سلطان ويتزوجها الخليفة العثماني.

ولد يوسف ناسي Joseph Nasiفي البرتغال بداية القرن السادس عشر وتوفى في القسطنطينية في 2 أغسطس 1579، أسست اسرته بيت مصرفي (بنك بمعايير الزمن الحالي) أقرض كبار رجالات أوروبا من حكام ونبلاء.

وفى جمهورية البندقية الإيطالية، سجنت حفيدة عمته جراسيا نتيجة إعلان يهوديتها، وراسل سليمان القانوني سلطات البندقية طيلة عامية للأفراج عن الفتاة والسماح للأسرة اليهودية بالتوجه للأرضي العثمانية.

هكذا وصل يوسف ناسي الى إسطنبول عام 1553 مع عمته جراسيا (هانا) ناسي (1510-1569) Gracia Mendes Nasi، والتي ترأست شبكات تهريب اليهود من الاندلس الى البندقية ثم الى الدولة العثمانية، وظلت حتى وفاتها في إسطنبول تدير شبكات تهريب اليهود الى الولايات العثمانية.

ويجزم المؤرخ سيسل روث Cecil Roth في كتابه آل ناسي House of Nasi وزميله آفيشاريستوكهامرAvishaiStockhammer عبر كتابه دون يوسف ناسي Don Yosef Nasi والمؤرخة مارينا بيرنبايمMarianna D. Birnbaumفي كتاب رحلة جراسيا ناسي، أن الكاتب الصحفي المجري من أصول صربية تيودور هرتزل لم يكن اول من حاول تنفيذ مخطط ترحيل اليهود من أوروبا للتوطين في فلسطين، ولكن البرتغالي يوسف ناسي في القرن السادس عشر كان أول من نادي بتجميع اليهود في فلسطين وحظي بموافقة السلطان سليمان القانوني ثم ابنه سليم الثاني.

تزوج ناسي من رينا ابنة عمته، وأصبحمن حاشية السلطان العثماني الذي اقتنع بفكرة ناسي حول فلسطين، هكذا عقب 35 عاما ً فحسب من استيلاء العثمانيين على فلسطين من المماليك،أصدر سليمان فرمان عام 1561 ينص على اقتطاع طبرية وسبع قرى حولها لتوطين اليهود وقد حرص سليمان خان على ان يوقع الفرمان معه أبنائه مراد وسليم حتى يظل ساريا ً حال وفاته.

حصل يوسف ناسي على لقب لورد طبرية Lord of Tiberias في المراسلات الأجنبية، وأصدر اعلان بالمجتمع اليهودي الجديد جنوب سوريا العثمانية، وبدأت السفن تبحر من غرب أوروبا الى سواحل الاناضول والشام، ولما عرف العالم المسيحي بهذا الاتفاق العثماني اليهودي صدر تكليف لتنظيم فرسان مالطة بمهاجمة سفن اليهود واسراها او اغراقها في البحر المتوسط فلم يصل الى سواحل فلسطين الا قلة قليلة.

وكان سفير فرنسا لدى الباب العالي قد كتب رسالة إلى حكومته مؤرخة في سبتمبر عام 1563 ما نصّه "إن يوسف ناسي قد حصل على فرمان من الباب العالي ووقعه كل من سليم ومراد ابني السلطان لبناء مدينة على بحيرة طبرية ليسكنها اليهود فقط، وهو بهذا يريد أن يحقق هدفه، فيبدأ من هنا ليجعل نفسه ملكاً على اليهود، لذلك يطالب فرنسا بأمواله".

وفي الفترة من عام 1556 إلى عام 1557، حاولت جراسيا تنظيم مقاطعة يهودية لميناء أنكونا الإيطالي رداً على اعتقال عدد من يهود المارانو، ولكن المشروع لم يكتمل.

حينما كان المشروع عثمانياً كان مرفوضاً، ولكن حينما أصبح يخدم الاجندة الاستعمارية للغرب لاحقاً أصبح الغرب يؤمن بالمشروع الصهيوني ومسح من مناهجه الدراسية تاريخ العداء لليهود وأصبحت تهمة العداء للسامية أقوى قانون في أوروبا وامريكا اليوم.

وقد أثار المشروع رفض كافة سكان فلسطين وتوالت الشكاوى الى الباب العالي ومن يمثله في الشام، ولما لم يستمع سليمان لهم بدأت اعمال العصيان والاضراب تتفشى في المدن الفلسطينية، كما قاموا بمهاجمة مواقع بناء المستوطنات اليهودية، ولكن نظراً لوجود جند عثماني لم يستطع اهل فلسطين الفتك بالمستوطنين اليهود، حيث قام الجند العثمانيين بالقبض على بعض شيوخ فلسطين بتهمة التحريض على عصيان فرمان عثماني.

وعقب وفاة سليمان الأول عام 1566 تولى ابنه سليم الثاني، ولكن ناسي كان مستشاراً لسليم الثاني قبل توليه العرش، وحرض سليم على غزو قبرص واشعال الحرب العثمانية البندقية الرابعة (1570-1573) وقد طمع ناسي في ان يحصد عرش قبرص ويحولها الى وطن لليهود حتى أنّه كان قد جهز بالفعل تاجاً ورايةً ملكيّةً لذلك، ولكن سليم ظفر بقبرص بعد ان هزم الجمهوريات والولايات الإيطالية والفرنسية واسبانيا وفرسان مالطة ولكنه لم يسلمها لناسي.

ولكن السلطان اعطي لناسي حكم بعض المناطق اليونانية وأطلق ناسي على نفسه "دوق ناكوس " Duke of Naxosنسبة الى هذه المنطقة، ولكنه كان حكماً دون توطين لليهود وتحت الراية العثمانية، ورغم عدم توليه عرش قبرص وتحويلها الى مستعمرة يهودية إلا أن ناسي ظل في عهد سليم الثاني بكامل نفوذه ويكفي أن امبراطور المانيا ماكسيميليان الثاني حينما حاول التواصل مع العثمانيين تواصل أولا ً مع ناسي وكان بينهم مراسلات سياسية افضت الى اتفاق تهدئة بين الطرفين عام 1567.

وحينما توفى سليم الثاني عام 1574، واتى مراد الثالث، عزل ناسي من مناصبه، وعاش في الظل بأحدي الجزر حتى وفاته، وعقب وفاة ناسي تبنى المستوطنات اليهودية في الجليل يهودي من أصل برتغالي اسمه سلومونأبينياسSolomon Abenaes، وكان هذا دبلوماسياً ومقرّباً من الباب العالي أيضاً، ولكن بوفاة السلطان مراد الثالث عام 1595 انتهي المشروع.

ولقد تحير المؤرخين في فهم لماذا خبأ نجم ناسي فجأة بعد ان كاد يظفر بعرش قبرص، ويوسع المستوطنات اليهودية في الجليل، ولكن الإجابة نجدها في الدراسة الشيقة لبنجامين أربيل Benjamin Arbel بعنوان "نوربانو.. سلطانة من البندقية" Nur Banu: A Venetian Sultana.. الإجابة هي حريم السلطان!

عقب وفاة السلطانة خرم، التي يعرفها اغلبنا اليوم باسم هويام على ضوء المسلسل التركي الشهير، انتقلت زعامة الحرملك الى ابنتها السلطانة مهرماه، خاصة ان زوجها رستم باشا كان الصدر الأعظم (ما يوازي رئيس الوزراء في عصرنا الحاضر)، كما زوجت ابنتها عائشة الى سيمز على باشا، وحينما توفى رستم باشا تولى سيمز باشا منصب الصدر الأعظم.

ولكن لسوء حظ مهرماه، توفى سيمز ايضاً في عصر والدها سليمان، الذي اسند المنصب الى الصربي محمد باشا صوقوللو عام 1565 ليصبح الأخير هو الحاكم الفعلي للدولة العثمانية سواء العام الأخير في عمر سليمان العجوز ثم ابنه سليم الثاني وحفيده مراد الثالث، واستطاع الحفاظ على الدولة العثمانية في ظل السلاطين الضعفاء وصراع الحرملك.

تنافست مهرماه على السيطرة على سليم الثاني مع زوجته نوربانو سلطان، وهي يهودية إيطالية اشهرت اسلامها قبل الزواج بالسلطان حينما كان ولياً للعهد، ثم زوجت ابنتها السلطانة اسمهان للصدر الأعظم، وهكذا انحاز صوقوللو الى نوربانو في صراعها.

ويذهب بعض المؤرخين للقول ان تعاطف نوربانو مع مشروع ناسي لم يكن سببه ان كلاهما من أصول يهودية فحسب بل لان نوربانو ما هي الا ابنة غير شرعية ليوسف ناسي جلبها الى إسطنبول لاحقاً من البندقية.

وليس غريباً عن السلاطين العثمانيين الزواج من نساء من أصول كاثوليكية او يهودية قبل ان يشهرن اسلامهن بل انه لا يوجد سلطان عثماني منذ سليمان القانوني وحتى نهاية الخلافة العثمانية الا وكان ابن مسيحية او يهودية تحولت للإسلام عشية زواجها بالسلطان.

وعقب وفاة سليم الثاني صعد مراد الثالث للحكم، خرجت مهرماه من الصراع على الحرملك ولكن الإيطالية الكاثوليكية صوفيا بيلوجى بافو زوجة مراد التي أصبح اسمها صفية خاتون سلطان بعد اشهار اسلامها هي من استطاعت ضرب نفوذ نوربانو، ومشروع توطين اليهود في فلسطين، وذلك عبر تدبير اغتيال الصدر الأعظم عام 1579، لتنهار نوربانو بل ورحل يوسف ناسي عن عالمنا في العام ذاته وينتهي اول مشروع لإقامة دولة يهودية على ارض فلسطين في العصر الحديث.

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق