كيف ترقص التانجو مع "نحسك الدكر"؟

الأحد، 21 يناير 2018 03:58 م
كيف ترقص التانجو مع "نحسك الدكر"؟
محمود الغول يكتب:

الكاتب الإنجليزي دانييل ديفو، عاش حياته يعاني سوء الحظ، غير أنه نجح في مراقصته والتعايش معه.
 
«لا تنتظر أن يبتسم لك الحظ.. ولكن ألقِ عليه نكته».. هكذا قال الأسلاف قبل قرون، وإذا كنت واحدًا من هؤلاء الذين يطاردهم النحس أينما كانوا، أو إذا كنت تشعر بأنَّ الحياة تعاندك وتتآمر ضدك، فإن هذا المقال كُـتب لك.
 
فالحياة مليئة بكثير من النماذج التي استطاعت أن ترقص التانجو مع سوء حظها، عبر القفز على خيبات الأمل من أجل النجاة، ومن هذه الشخصيات أرشِّح لك الكاتب الإنجليزي دانييل ديفو (Daniel Defoe) لتتعرَّف على قصته.
 
النصف الأول من حياة ديفو نموذج مثالي للفشل وخيبات الأمل والانكسارات، ولا تندهش حين تعرف أنَّ النصف الأول هذا استمرَّ حتى قرابة العام الستين من عمره، إذ حدث أكبر تحول في سيناريو حياة الرجل البائس هذا بعدما أكمل عامه التاسع والخمسين.
 
وعلى طريقة «الفلاش باك» نبدأ بالفواجع... وُلد الطفل دانييل في العام 1660 في رعية القديس بجيلز كريبلجات في لندن، وحين وصل للخامسة من عمره مات نحو 70.000 شخص بسبب الطاعون لكنه شخصيًّا نجا، وفي السادسة شهد بعينيه حريق لندن الكبير، والمثير أنَّه لم يبقَ في الحي الذي يقيم فيه إلا منزله ومنزلان آخران.. وهكذا نجا ابن السادسة من الموت مرتين، غير أن المحيطين به لم يتفاءلوا بمولده وربما رأوا فيه نذير شؤم.. وتأكد الأمر حين توفيت والدته وهو في عامه العاشر.
 
في سن الرابعة عشرة، التحق ديفو بأكاديمية المعارضة في نوينغاتون غرين، وكان من المؤمنين للحضور إلى كنيسة نوينغاتون غرين للموحدين، وفي تلك الفترة اضطهدت الحكومة الإنجليزية الذين اختاروا العبادة خارج كنيسة إنجلترا.
 
في بداية شبابه عمل بطلنا في التجارة، غير أن الديون كانت دائمًا تحاصره، وفي العام 1684 تزوَّج بمقابل مهر يقدر بنحو 3700 جنيه استرليني، وسببت له هذه الزيجة مشاكل كثيرة، إضافة إلى ديونه والصعوبات السياسية التي عاناها تلك الفترة. وفي العام 1692 أُلقي القبض عليه بسبب ديون تقدر بنحو 700 جنيه وصودرت ممتلكاته، فيما بلغ مجموع ديونه وقتها 17000 جنيه استرليني.
 
وحين وصل ديفو لمحطته الخامسة والعشرين، انضم إلى ثورة مونموث ونجا من محكمة الجنايات الدموية للقاضي جورج جيفريز بمعجزة، إذ كان على شفا الموت شنقًا.
 
انتهى المطاف ببطل قصتنا إلى إشهار إفلاسه العام 1692، وبعدها هجر التجارة نهائيًّا العام 1703، وبدأ رحلة طويلة مع الكتابة.
 
وحتى حين احترف الكتابة طارده سوء الحظ، إذ ألف ديفو عددًا كبيرًا من الكتب تعرَّض في بعضها للشأن السياسي، وهو ما تسبب في سجنه بتهمة التشهير بشخصيات عامة.
 
وفي مرحلة من عمره ظنَّ الرجل أن اسمه ربما يكون هو سبب سوء حظه، فغيره من «دانييل فوي» إلى «دانييل ديفو» لاعتقاده أن الاسم الجديد يوحي بالنبل أكثر.
 
وأصدر ديفو دورية بعنوان «Review» (1704 و1713)، خلال حكم الملكة آن خليفة الملك هنري الثالث، ولم يسلم الرجل من المكائد والدسائس، فتعرَّض للاعتقال والسجن عدة مرات العام 1713 وأغلق الدورية.
 
في 1724 شيد ديفو في مسقط رأسه منزلاً فخمًا عاش فيه بقية أيام حياته حتى توفي في مورفيلد، 24 أبريل 1731، والطريف أنه في تلك الفترة عاش مختبئًا من مطاردات الديانة.
 
ورغم سواد المشهد إلا أنه أصدر أول رواياته العام 1719 أي قبل أن يكمل عامه الستين ببضعة أشهر، والرواية عن «حياة ومغامرات روبنسون كروزو الغريبة المدهشة»، التي اُعتُـبرت أول رواية حديثة في الأدب الإنجليزي (بالمعنى الكامل)، فتميزت عن كل ما سبقها بحبكة متواصلة وتسلسل سلس للأحداث والشخصيات بشكل منتظم.
 
وتشمل محصلة الكاتب، الذي أجاد الرقص مع نحسه وتعايش معه، من المؤلفات نحو 500 كتاب ومجلة، تراوحت بين السياسة والجريمة والدين والزواج وعلم النفس والخوارق.
 
وهكذا عاش الرجل حياته يرقص التانجو مع حظه السيئ، ولو كان حيًّا بيننا اليوم لشاهد مجده بعينيه.. ذلك المجد الذي نجح هو في صنعه عبر رواياته الملهمة وكتاباته التي أثرت في كثير من الناس حول العالم.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق