مفهوم الحكم العسكري

الخميس، 15 فبراير 2018 04:48 م
مفهوم الحكم العسكري
إيهاب عمر يكتب:

منذ فجر التاريخ وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، لم يكن هنالك في علوم السياسة ودروب الحكم ما يسمي بالحكم العسكري، فالحكم في تلك الحقب نوعان، ديني يتضمن كافة القوى الثيوقراطية على غرار حكم الكنيسة وحكم الإسلام السياسي مثل داعش والإخوان وإخواتهم، وحكم مدني، يتضمن كافة رجالات المكونات الأخرى بما فيهم رجالات القوات المسلحة.
 
لم يكن هنالك مصطلح حكم عسكري أو حاكم عسكري قط، إذ إن رجالات المؤسسات العسكرية هم من ضمن أجهزة الحكم المدني. ولكن مع بداية الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الامريكية وكتلتها الغربية من جهة والاتحاد السوفيتي وكتلته الشرقية من جهة أخرى، وفى إطار حرب الأفكار، أقامت المخابرات الأمريكية ورشة عمل فكرية لعدد من كبار المفكرين الاستراتيجيين آنذاك في الغرب، وتم تسليم هؤلاء قائمة بأسماء الدول التي تستهدفها أمريكا وحلفائها، وكان المطلوب هو البحث عن أفكار وقيم سياسية جديدة تقوم بتقليب شعوب تلك الدول على أنظمتها الحاكمة، وإحداث خلخلة مجتمعية تؤدي إلى خلق حالة عدم استقرار مزمنة في هذه الدول.
 
وكانت التوصية الأولى هي ابتكار مصطلح الحكم العسكري، إذ وجد كبار مفكري المخابرات الأمريكية أن أغلب تلك الدول تخضع لحكام ينتمون إلى المؤسسات الأمنية، وبالتالي فإنه حال الترويج لمصطلح الحكم العسكري باعتباره آفة معادية للديموقراطية، فإن تلك الشعوب سوف تسارع في خلع حكامها واحداً تلو الآخر، دون أدنى تفكير إذا ما كان هذا الحاكم جيد من عدمه فهو سيء لمجرد أنه رجل خدم بالمؤسسة العسكرية فحسب.
 
وأصبحت الديموقراطية التي تعني مشاركة كافة فئات ومكونات المجتمع في المجال العام بكافة أقسامه دون إقصاء تنص على إقصاء رجالات الجيش والشرطة من العمل العام والعمل السياسي، وأصبح مؤيدي وغلمان الديموقراطية في جميع دول العالم ينادون وباسم الديموقراطية بإقصاء رجالات الدولة القادمين من مؤسسات الجيش والشرطة والمخابرات من العمل العام في تضاد تام لمعني المواطنة والديموقراطية وحقوق الإنسان.
 
ولكن تم تلك الكارثة الوحيدة من حقن عقول شعوبنا بهذه الفكرة، ولكن لكل شعب في العالم هوية مختلفة عن باقي الشعوب، فالشعب المصري طيلة سنواته عبر التاريخ يميل إلى رجل الجيش القوي، هذا ليس عيباً نخجل منه، ولا مصيبة نحاول أن نسترها، ويشترك مع الشعب المصري في هذه الصفة شعوب كثيرة أبرزها الشعب الروسي كما أوضحت في كتابي "الإمبراطورية الروسية"، وبالتالي فأنك حينما تحاول تغيير هذه الفكرة لدى شعباً مثل الشعب المصري فأنت في واقع الأمر تقوم بهدم جزء من قيم الدولة المصرية التي قامت عليها هذه الأمة منذ 10 آلاف سنة كأول دولة في التاريخ.
 
هذه الخلخلة المطلوبة، ودس الاضمحلال في مؤسسات الدولة، هو الهدف الأول لأي مؤامرة على مصر، ولطالما كان هدف المؤامرة عبر العصور هو وضع رجل ضعيف على رأس الأمة المصرية، حتى تغرق به ويغرق معها. ورغم ذلك، فإنه مفهوم الحكم العسكري هو أن يقوم ضابط جيش أو أمن بالحكم بينما هو لا يزال في خدمة، ليس هذا فحسب ولكن أن يكون مجلس وزرائه ومستشاريه بالكامل من الضباط العاملين بالخدمة العسكرية أو الأمنية؟
 
وبالتالي فإنه الحكم العسكري حتى بالمفهوم الأمريكي وبالتالي المفهوم الأكاديمي – حيث نجحت أمريكا في اعتماد هذا المفهوم مهنياً وعلمياً – لا ينطبق على مصر إلا في فترة حكم مجلس قيادة الثورة في خمسينات القرن العشرين أو المجلس الأعلى للقوات المسلحة خلال المرحلة الانتقالية الأولى 2011/2012 ولكنه لا ينطبق على من ينهي خدمته العسكرية ويخرج للعمل العام.
 
إن جميع مؤسسات الحكم في العالم أجمع تضم مئات الآلاف من رجالات الجيش والشرطة ممن أنهوا خدمتهم أو خرجوا من المؤسسة العسكرية واستكملوا حياتهم الوظيفية بباقي القطاعات المدنية غير القطاع العسكري أو الأمني، فلم نرى أحداً يعوى بأن هذا سيطرة عسكرية أو أمنية على مؤسسات مدنية.
 
الرئيس الفرنسي شارل ديجول كان رجلاً عسكرياً قاد ثورة الفرنسيين على الحكم الألماني النازي ولما خرج من المجال العسكري ترشح وفاز بالرئاسة الفرنسية، هل كان هنالك حكماً عسكرياً في فرنسا في زمن ديجول؟
 
الرئيس الأمريكي دوايت إيزنهاور كان رجلاً عسكرياً قاد الجيش الأمريكي في انتصاره على ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية ولما خرج من المجال العسكري ترشح وفاز بالرئاسة الأمريكية، هل كان هنالك حكماً عسكرياً في أمريكا في زمن أيزنهاور؟
 
الأغلبية الساحقة من وزراء إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من رجالات المؤسسة العسكرية الأمريكية، كبير موظفي البيت الأبيض منصب سياسي وليس عسكري، ومستشار الأمن القومي منصب سياسي سبق وأن تولاه أمثال كونديزا رايس وهنري كسينجر، ووزير الأمن الداخلي ووزير الداخلية ووزير الدفاع كلها مناصب سياسية وليس عسكرية وسبق وأن تولى هذه المناصب أعضاء من الكونجرس أو الحزب الحاكم دون أن ينتموا بشكل مباشر للمؤسسة العسكرية.
 
ورغم ذلك كافة هؤلاء في إدارة ترامب هم جنرالات.. فهل الحكم في أمريكا اليوم حكماً عسكريا؟ وبالتالي حتى بمعايير أمريكا في الحكم العسكري فإن العسكري الذي يخرج من الجيش ويترشح في رداء مدني لا يعتبر حكم عسكري أو حاكم عسكري، والمسؤول في الجيش الذي يخرج من العمل العسكري ويعمل في أي قطاع مدني لا يعتبر حاكم عسكري ولا سيطرة عسكرية على العمل المدني.
 
ومصطلح الحكم العسكري مصطلح حديث لا يزيد عمره عن 70 عاماً ابتكرته أمريكا أوائل الحرب الباردة لتنفيذ مخططات الفوضى لا أكثر ولا أقل، فلا هو من صميم العلوم السياسية أو تم تطبيقه عبر التاريخ إلا عقب صعود أمريكا سياسياً.
 
ولو تم تطبيقه بأثر رجعى فإن الحكم العسكري هو من صنع مجد مصر التاريخي، مينا موحد القطرين لم يكن صيدلياً، وأحمس محرر مصر من الهكسوس لم يكن مهندساً، وتحتمس الثالث ورمسيس الثاني من أسسوا امبراطورية كبري لمصر لم يكونوا أطباء، وصلاح الدين الأيوبي وقطز وبيبرس وقلاوون ومحمد على وإبراهيم باشا لم يكونوا خريجين تجارة أو آداب.
 
هل كان يوليوس قيصر خبير طاقة؟ وماذا عن نابليون بونابرت وغيرهم من صناع مجد حضارات الغرب؟ يتحدثون عن بدء الحكم العسكري في مصر منذ 23 يوليو 1952 كأن الجيش كان في المعارضة قبل هذا التاريخ واستولى على السلطة! فالجيش قبل ذلك كان جزءاً من مؤسسات الدولة الحاكمة وبالتالي هو شريك فيما سبق.
 
بل والأكثر سخرية في كتب التاريخ، إن كافة حكام مصر قبل يوليو 1952 كانوا شخصيات عسكرية بما في ذلك الملك فاروق الذي تلقى تعليماً عسكرياً في إنجلترا ولم يكمل تعليمه حتى يعود لتولى العرش عقب وفاة والده، وقبل فاروق كافة حكام أسرة محمد على كانوا رجالات جيش بل ودرسوا العسكرية في أكبر مؤسساتها في أوروبا، بل ونصفهم على الأقل شارك في العمل الحربي أو معارك حربية سواء محمد على أو الحاكم الثاني إبراهيم باشا أو الثالث عباس الأول وغيره.
 
سوف يخبروك بأن دستور 1923 نص على صلاحيات واسعة لرئيس الوزراء وأن الملك لم يكن يحكم لوحده، الطريف أنك لو راجعت 99.99% من تشكيلات المجالس الوزارية ما بين 1923 و1952 سوف تكتشف أن رئيس الوزراء المدني كان يتولى وزارة الداخلية بجانب رئاسة الوزراء، ولا يوجد رئيس وزراء في تاريخ الحقبة الليبرالية إلا وقمع مظاهرة واحدة على الأقل بما فيهم الرئيس سعد زغلول.
 
وبالتالي فأنه عليك إذا ما كنت تريد الترويج للأسطوانة الزائفة عن الحكم المدني قبل يوليو 1952 أن تفاضل ما بين ملك قادم من المؤسسة العسكرية أو رئيس وزراء يرأس المؤسسة البوليسية، وفي كلا الحالتين سوف تجد نفسك بعيد كل البعد عن الهرطقة الامريكية الهزيلة الهزلية عن الحكم العسكري.
 
إن المعيار الوحيد على أي حاكم هو أدائه السياسي وحسب، وفى نفس الوقت فإن لكل أمة عبر التاريخ خصائصها، ويظل احتكاك رجالات المؤسسة العسكرية والبوليسية بالإضافة إلى بعض مؤسسات الدولة مثل الخارجية والقضاء مع علوم السياسية والشؤون الدولية والمحلية ما يكفل لهم العمل في المجال السياسي العام وصولاً إلى مقعد الرئيس والوزير ولكن من يريد تغيير هذه المعادلة التي أنتجت الدولة المصرية وتصون الأمة المصرية هو صوت للفوضى وظل للمؤامرة الدولية داخل مصر لا أكثر ولا أقل.
 
المبهر أن الديموقراطية تنص على احترام التخصص، فالفكر التكنوقراط يرى أنه لا يمكن لشخص نشأ في مجال معين أن يتولى مجال آخر بعيد عن عمله، وبالتالي من المبهر حقاً أن نرى هذا الكم من الأسماء التي يتم ترشيحها عبر تاريخ مصر الحديث لمنصب الرئيس أو الوزير من شعراء وكتاب روايات لمحاميين وصلوا لرئاسة أحزاب فاشلة في ظروف مجهولة لأطباء ليس لديهم سجل مشرف في مجالهم الطبي قبل أي مجال آخر، منتهى الجهل حتى بما يسمى الديموقراطية وأهم أركانها التكنوقراطية.
 
ختاماً، مصطلح الحكم العسكري صنعته مختبرات فكرية للمخابرات الأمريكية لتقليب الشعوب على حكامها الأقوياء، وهو مصطلح ليس له أصول في العلوم السياسية عبر التاريخ كله حتى بداية الحرب الباردة أواخر أربعينات القرن العشرين، الضابط الذى يخرج من الخدمة ويدخل العمل العام حتى بالمفهوم الأمريكي للحكم العسكري ليس عسكرياً أو حاكم عسكري، وإقصاء العسكريين والأمنيين من العمل العام فكر منافى وخارج عن إطار الدولة الديموقراطية التي يجب ألا تقوم بإقصاء فرص أي طرف في العمل السياسي، و محاولات كل من هب ودب ليصبح وزير أو رئيس مضادة لفكرة التكنوقراط واحترام التخصص الذى تنص عليه ديباجات الديموقراطية التي ينادون بها.

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق