فكم من الجرائم ترتكب باسم غصن الزيتون؟!

الثلاثاء، 20 فبراير 2018 01:04 م
فكم من الجرائم ترتكب باسم غصن الزيتون؟!
حسين عثمان يكتب:

مدينة عفرين هي إحدى مدن محافظة حلب بالجمهورية العربية السورية، وتقع في أقصى الزاوية الشمالية الغربية من الحدود السورية التركية، وهي منطقة جبلية لا تمثل أكثر من 2% من مساحة سوريا، ويمر بها نهر عفرين الممتد داخل سوريا على مسافة 85 كم، وهو أحد أهم المصادر المائية التي تقوم عليها الزراعة هناك، تتبع منطقة عفرين إدارياً محافظة حلب، وتقع على بعد 63 كم منها، ويبلغ عدد سكان عفرين حوالي 60 ألف نسمة غالبيتهم من الأكراد.

وكان وزير الدفاع التركي نور الدين جانيكلي، قد أعلن مساء الجمعة 19 يناير الماضي، أن القوات المسلحة التركية بصدد القيام بعملية عسكرية في عفرين، تستهدف القضاء على كافة خطوط الإرهاب في شمال سوريا، ودون أن يحدد توقيت العملية، فلم يكذب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خبر وزير دفاعه، حيث أعلن بنفسه في اليوم التالي مباشرة، أن القوات المسلحة التركية بدأت بالفعل عملياتها العسكرية في عفرين، موضحاً استهدافها طرد المقاتلين الأكراد من هناك، ومؤكداً امتدادها بعد ذلك إلى مدينة منبج التي يسيطر عليها الأكراد، ومستنكراً تشكيل الولايات المتحدة الأمريكية لقوة من 30 ألف جندي كردي، بدعوى حماية أمن الحدود، وحجة أردوغان أن تركيا لن تكون آمنة، ما دامت سوريا غير آمنة.

دخلت قوات سوريا الديمقراطية على الخط في نفس اليوم، وهي تحالف متعدد الأعراق والأديان يغلب عليه الطابع الكردي، فأكدت هذه القوات التي يُشار إليها اختصاراً بـ(قسد)، أن تهديد تركيا مفاجيء وغير مُبَرَر، ويفتح الباب لعودة تنظيم داعش، ومكذبة ادعاء تركيا بأن (قسد) تخطط لشن هجمات عبر الحدود داخل الأراضي التركية، كما أشارت إلى رفضها اقتراحاً روسياً كان يهدف إلى تفادي الهجوم التركي، بشرط تنازل الأكراد عن المناطق التي يسيطرون عليها للنظام السوري، وهو ما أكده انسحاب القوات الروسية بعفرين في اتجاه تل رفعت حال بدء الهجوم التركي، وبحجة ضمان سلامتهم وفقاً لبيان وزارة الدفاع الروسية، ولم تنسَ قوات سوريا الديمقراطية التأكيد على المواجهة والقتال بقوة حتى يتحقق إفشال المخطط التركي.

وتلخصت رؤى المحللين السياسيين حول عملية عفرين، والتي أطلقت عليها تركيا اسم (عملية غصن الزيتون)، في رغبة تركيا في تحجيم حزب العمال الكردستاني، حيث تعتبر تركيا القوات الكردية بعفرين امتداداً لهذا الحزب، ثم ضمان دور بارز لتركيا في مرحلة ما بعد الحرب في سوريا، ووجود تركيا العسكري على الأراضي السورية هو الضامن للفوز بنفوذ مؤثر في مستقبل سوريا، وداخلياً تستهدف تركيا من وراء العملية العسكرية في عفرين حشد أصوات معارضي حزب العدالة والتنمية، فجميعهم مهما اختلفوا فيما بينهم يتوحدون في مواجهة الأكراد، كما ترى تركيا أهمية تأمين حدودها المشتركة مع سوريا في مواجهة الأكراد، فهو من الضرورة بمكان تمهيداً لعودة أكثر من ثلاثة ملايين من اللاجئين السوريين بتركيا إلى أراضيهم.

أما موقف روسيا فتلخصه رؤية ميخائيل ألكسندروف أحد الخبراء الروس البارزين، ويرى أن روسيا تحاشت التدخل في الصراع القائم بين تركيا والأكراد لأن الأكراد تجاهلوا مصالح روسيا والنظام السوري، وتحولوا إلى دمي تحركها الولايات المتحدة الأمريكية، فلم يتوانَ الأكراد عن تنفيذ أوامر الأوصياء الأجانب، وتحركوا في المناطق التي تقع تحت سيطرة داعش، بهدف مهاجمة القوات الموالية للحكومة السورية، كما أن معظم المخيمات على الأراضي الكردية تضم مدربين أمريكيين لإعداد مقاتلين جدد لضرب الجيش السوري النظامي، وبخلاف أن الأكراد رفضوا استكمال المفاوضات المتعلقة بالتسوية في سوريا، روسيا ترى أن سلوك الأكراد له تبعات كبيرة في مواجهة سوريا وروسيا معاً، وبهذا لم يعد هناك أي دافع حتى تقوم روسيا بالدفاع عنهم وحمايتهم.

لم تكن هذه إلا قراءة سريعة ومختصرة ومجمعة لمشهد عفرين المأساوي الممتد لشهر الآن، ولم أُضِف فيها جديداً بقدر ما لخصت ما اطلعت عليه حول ملابسات العمليات العسكرية التركية المفاجئة هناك، والغرض ليس إلا محاولة تبسيط ما قد يتجاهله البسطاء ظناً منهم في تعقيده، والرسالة هي الوقوف بكم وقفة تستحق التأمل في ظل اختلاط كل وأي حابل بكل وأي نابل، فحين تطالع المشهد السوري بالكامل، تجد أطرافه لا تتباين في أشكالها، إلا بقدر ما تتشابه في مضامينها، فالنظام قد يكون ديكتاتورياً تقليدياً كسوريا، أو ديكتاتورياً متمدناً شبه ديمقراطي كروسيا وتركيا، أو ديمقراطياً صرفاً كالولايات المتحدة الأمريكية، وقِس عليهم بقية الأطراف، أما توافقهم جميعاً فحاضر شاخص في الإتجار بالإنسانية، الإتجار بالبشر.

البشر آخر ما يفكر فيه السادة الساسة جميعهم، وأول من يمسهم لعنة الساسة والسياسة، فلا يعاني في عفرين كما يعاني في كل مناطق العالم الملتهبة إلا نحن، البشر بكل دياناتهم وجنسياتهم وأعراقهم وطوائفهم وقومياتهم، البشر المنكوبون بصفة الإنسانية التي يتاجر بها قتلة تجردوا من كل معانيها، فلم يعد لديهم أرخص من الحياة، والأسهل عندهم هو فعل القتل، فلا تجهد نفسك في تناول ما هو سياسي بما هو أخلاقي، فكم من الجرائم تُرتَكَب باسم غصن الزيتون؟!.        

 

        

     

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق