رسالة بوتين المدججة بأحدث الأسلحة

الجمعة، 02 مارس 2018 10:58 م
رسالة بوتين المدججة بأحدث الأسلحة
الدكتور مغازي البدراوي يكتب:

 
جاءت الرسالة السنوية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الجمعية الاتحادية الروسية على غير المتوقع، حيث كان من المفترض، والرئيس بوتين يخوض انتخابات رئاسة لولاية ثانية في روسيا بعد أيام، خلال مارس الجاري، أن تأتي الرسالة بمثابة برنامج انتخابي موجه للشعب الروسي يتناول المسائل الاجتماعية والاقتصادية والأمنية الداخلية، خاصة وأن مناظرات المرشحين الأخرين للرئاسة في روسيا قد انطلقت ساخنة على شاشات الفضائيات الروسية، بينما لم يصدر عن بوتين أي حديث أو دخول في أي مناظرة، ولهذا توقع الكثيرون أن تكون كلمته أمام الجمعية الاتحادية هي برنامجه الانتخابي، لكن بوتين خيب ظن الجميع في داخل روسيا وفي العالم كله، وأطلق رسالة نارية مدججة بأحدث الأسلحة التي لا يوجد قرين لها في العالم، وموجهة بشكل مباشر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا ما أجمع عليه المراقبون والإعلاميون الذين علقوا على رسالة بوتين، كما جاء أول رد على رسالة بوتين من المعنيين بالأمر والموجهة إليهم الرسالة، واشنطن ولندن. 
 
رد واشنطن
ولم تمضي ساعات معدودة على اختتام الرئيس بوتين لكلمته، حتى جاء رد البنتاغون الأمريكي معبراً بشكل واضح عن القلق والخوف من القوة الروسية، وفي نفس الوقت جاء رد البنتاغون ليؤكد مصداقية ما قدمه وعرضه الرئيس بوتين من أسلحة روسية حديثة قال عنها بوتين أنها ليس لها نظير في العالم، حيث أعلنت المتحدثة باسم البنتاغون، دانا وايت أن ما جاء في خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن الأسلحة النووية لم يكن مفاجئا بالنسبة لواشنطن، وقالت: "نحن لم نتفاجأ بهذه التصريحات، وعلى الشعب الأمريكي أن يكون متأكدا، أننا جاهزون تماما". وبلهجة المعتذر الخائف الذي يبرئ نفسه من الاتهام، قالت وايت، أننا نؤكد دائماً أن  أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية لا تستهدف روسيا، وأنها موجهة ضد "الدول المارقة". ثم عادت لتقول: "علينا أن نضمن امتلاكنا لوسائل الردع النووي، ونحن على قناعة بأننا مستعدون لحماية بلادنا مهما كان الخطر".
 
وأكدت المتحدثة باسم البنتاغون وجود الأسلحة التي استعرضها الرئيس الروسي بوتين، وأن واشنطن على علم بها منذ زمن، وأن عقيدة الولايات المتحدة النووية تأخذها بعين الاعتبار. 
 
رد لندن 
كما جاء رد بريطانيا معبراً عن الخوف والرعب مما استعرضه الرئيس الروسي بوتين من أسلحة حديثة، حث حذر وزير الدفاع البريطاني من تنامي القدرات العسكرية الروسية، واصفا طريقة إعلان الرئيس الروسي عن السلاح الاستراتيجي الجديد بـ " التصعيدية والاستفزازية"، على حد تعبيره. 
ونقلت صحيفة "ديلي تلغراف" عن وزير الدفاع البريطاني غافين ويليامسون قوله :" نحن نصطدم بالتهديد المتنامي لطريقة عيشنا، وهذا الإعلان (عن السلاح الاستراتيجي الروسي الجديد) يُذكّرنا مرة أخرى أنه يجب أن نبقى يقظين".
 
هكذا كان رد الجهتين اللتين تعمد الرئيس بوتين توجيه رسالته إليهما، فهما لم يستطيعا إنكار القوة العسكرية الحديثة لروسيا، ولم يقللوا من شأن تصريحات الرئيس بوتين، بل أخذاها على محمل الجد والحذر والقلق الشديد، وأكدتا بالفعل أن بوتين يقول الحقيقة وأنهما على علم بالتطوير الكبير للأسلحة الروسية، ويتابعون ذلك منذ فترة مضت.
 
أميركا هي التهديد
كلمة الرئيس الروسي بوتين للجمعية الاتحادية، والتي استمرت ساعتين كاملتين، شغل فيها استعراض القوة العسكرية الروسية أكثر من ساعة كلمة، بينما شغلت باقي القضايا، بما فيها الأمور الاقتصادية والاجتماعية باقي الوقت، وكان واضحاً أن  الرسالة موجهة إلى الولايات المتحدة باعتبارها تشكل التهديد الأكبر لروسيا، وهو ما عبر عنه الرئيس بوتين في اتهامه لواشنطن بالإخلال بموازين القوى الدولية، بانسحابها من جانب واحد من معاهدة الدفاع الصاروخي المضاد ونشرها عناصر منظومة الدرع الصاروخية على الأراضي الأمريكية وفي شرق أوروبا وفي المياه بالقرب من الحدود والسواحل الروسي، بالإضافة إلى خططها لنشر صواريخ في اليابان وكوريا الجنوبية.
 
استعراض الأسلحة
انطلق الرئيس بوتين في كلمته يستعرض الأسلحة الروسية الحديثة التي لا تملك دولة أخرى مثلها، وإمعاناً في استعراض القوة صحب بوتين حديثه بعروض فيديو لهذه الأسلحة، وهو تقليد جديد لم يحدث من قبل في كلمات الرئيس للجمعية الاتحادية، الأمر الذي كشف بوضوح حجم وتعمد استعراض القوة العسكرية الروسية، حيث أعلن بوتين أن روسيا تقوم بتطوير أنظمة أسلحة استراتيجية، وأنها بدأت باختبار جيل جديد من الصواريخ. وأشار بوتين إلى أن روسيا قامت بتصميم كتلة طاقة نووية فائقة القوة لتزويد صواريخ مجنحة بها، ما سيجعل الصواريخ قادرة على تجاوز كل أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، سواء الموجودة أو الواعدة. وصرح بأن روسيا تمتلك سلاحا فرط صوتي لا تملك أية دولة أخرى مثيلاً له، ومن باب المصداقية ومخاطبة الروح الوطنية لدى الشعب أيضاً، وجه الرئيس بوتين الشكر لمصممي الأسلحة الحديثة من العلماء الروس واصفاً إياهم بأنهم أبطال العصر الذين يعكفون على تعزيز أمن روسيا. 
 
أسلحة ليست للبيع
وأطال الرئيس بوتين في كلمته في استعراض بعض الأسلحة الروسية الحديثة، مما بدا وكأن الأمر ترويج للسلاح الروسي في أسواق السلاح العالمية، لكن كل ما عرضه بوتين هي أسلحة استراتيجية حديثة فقط لاستخدام الجيش الروسي وليست للبيع، ومن هذه الأسلحة منظومة "سارمات" الصاروخية، التي تحمل صواريخ باليستية ثقيلة عابرة للقارات، وتتمتع بمدى تحليق غير المحدود، وصواريخ أخرى لا تتبع المسار الباليستي على الإطلاق، ولا تستطيع أي درع صاروخية مواجهتها، وتحدث بوتين أيضا عن غواصات مسيرة سريعة، قادرة على الغوص إلى أعماق كبيرة ولمسافات قارية وبسرعة تزيد بأضعاف سرعة جميع الغواصات أو الطوربيدات البحرية أو السفن التي توصل إليها العالم حتى اليوم. وأشار إلى منظومة "كينجال" (الخنجر) الصاروخية الخارقة للصوت عالية الدقة، والتي تعتبر المرحلة الأهم في تطوير الأسلحة الحديثة، وذكر بوتين أن المجمع الصناعي الحربي الروسي فتح خط إنتاج لنوع آخر من الأسلحة الاستراتيجية وهو صاروخ ذاتي وحر التحليق أطلق عليه اسم "أفانغارد". كماأشار بوتين أن الجيش الروسي بدأ يتسلح منذ العام الماضي بأحدث أنواع أسلحة الليزر.
 
لماذا السلاح النووي؟
ودافع بوتين عن حق روسيا في تطوير قوتها العسكرية قائلاً: "روسيا لا تهدد أحدا ولا تخطط لاستخدام قدراتها العسكرية المتنامية للاعتداء على أحد"، وعرض بوتين مبررات تطوير السلاح النووي الروسي بتهديداته المرعبة قائلاً بأن روسيا تطور ترسانتها النووية من أجل حث الشركاء الغربيين على التفاوض والإصغاء إلى التحذيرات الروسية بشأن عدم جواز الإخلال بميزان القوى الاستراتيجي في العالم، وألمح بوتين لنوايا أعداء روسيا استخدام السلاح النووي ضدها قائلاً: : "أعتقد بأنه من واجبي أن أؤكد أن أي استخدام للسلاح النووي ضد روسيا أو حلفائها، سواء أكان بقوة صغيرة أو متوسطة أو أخرى، سنعتبره هجوما نوويا على بلادنا. والرد سيكون فوريا مع كل ما يترتب على ذلك من عواقب". 
 
الشوفينية الوطنية
حديث بوتين عن الأمور الاجتماعية والاقتصادية الداخلية لم يشغل حيزا كبيراً من كلمته للجمعية الاتحادية، ويبدو أن هذا الأمر لم يقلق بوتين والكرملين كثيرا رغم أن انتخابات الرئاسة بعد أيام قليلة،  ويبرر المراقبون ذلك بأن بوتين الذي يعي جيدا الشوفينية الوطنية القوية لدى الشعب الروسي، تعمد الإطالة في استعراض القوة لعلمه أن هذا يلمس الحماس الوطني والفخر لدى الشعب الروسي بدولته القوية التي لا تستطيع أي قوة في العالم قهرها.. 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق