الحلقة الأخيرة

الخميس، 08 مارس 2018 01:41 م
الحلقة الأخيرة
هبة العدوى تكتب:

في تمام الساعة السابعة أجلس أمام التلفاز متلهفة للقاء جديد قد يدوم لخمسة عشر يوماً على الأكثر  بيني وبين شخوص جديدة.. مع حدوتة جديدة وصراع «بسيط» بين الخير وشره..

لم أكن أدري وقتها حقيقة الدنيا لأضيف للصراع مصطلح «بسيط» كنت أراها كما أرادوا لنا أن نراها.. أو قل كما كانت بالفعل وقتها، بسيطة وطيبة..

أكثر ما كان يؤلمني هو مشهد «الحلقة الأخيرة» هذا الذي سيتحتم عليَ فيه أن أواجه فراقي لشخوصي المحببين.. لماذا سترحلون وقد صرتم أصدقائي الجدد؟!

تلك كانت الجملة التي أرددها دوما لنفسي آسفة علي تلك النهاية السريعة:

-ليه بسرعة كده! ماكانوا طولوه شوية!

(2)

أحب الناس وأكره فراقهم.. أرتبط بمحبتهم ولا أريد أبدا أن أسيء الظن بهم.. يمكننا جميعا أن نصعد معاً.. يمكن دوماً للعلاقات أن تصبح «فوز- فوز» وليست علاقات «فوز- خسارة».. المسألة تحتاج فقط لطرفين يقررا ذلك بمنتهي الوضوح يمكننا أن تجمعنا صلة الحب التي تذيب مصطلح «السيطرة» ذوبان الثلج في نار حب العلاقة..

لا يجب أن أسيطر ولا يجب أن تسيطر عليّ.. فقط هي تسير هكذا ببساطة وسلاسة من امتلك قلبا يسع الحياة وجمالها وجمال شخوصها. وعقلا يركز به وفقط على تطوير ذاته.. ويعيّ جيدا أهمية اللطف والذكاء في التعامل..

(3)

منذ فترة قد تقارب الشهور.. وأنا قررت أن انفصل بعقلي لساعة في يومي عن ما نعيشه في أيامنا هذه من غلظة قلوب..

وضرب في الظهور لا تعلم تحديدا من أين ستأتيك الضربة المقبلة.. ولكنك مثلك مثل الجميع في زماننا هذا - سواءا أن كنت داخل مصر أو خارجها - تعاني من «لا أخلاق عصر الرأسمالية المتطرفة» في ذروة ألمها الإنساني.. والروح التي صارت تئن من وجع شخوص إنحرفت بوصلتهم  وتجرفت شخصياتهم فصاروا  مجرد «أشياء» مؤلمة تجردت -بإرداتها أو دون دراية منها - من إنسانيتها وضميرها الحر..

(4)

مررت بكل ما كتب العظيم الراحل رحمه الله  أسامة أنور عكاشة.. من «لياليه» «لأهالينا» «لزيزينيته» «لأرابيسكه» «لرايته البيضاء»..

لينين الرملي وقصته وحواره في «هند والدكتور نعمان»، وكيف كانت هند وعلاقتها الشقية بجدها .. ومشهد رعبها من القاتل الذي تجسدت في ملامحه  وقتها كل معاني الرعب لجيل كامل.. وموسيقي «منير الوسيمي» التصويرية التي لابد وأن تملأ أحاسيسك حباً للحياة..

و«لن أعيش في جلباب أبي» حيث روعة الأداء بين نور الشريف رحمه الله وعبلة كامل.. صادفني  أيضاً «حديث الصباح ومسائه»، الذي تجسدت فيه معاني الحياة والموت بروعة لا متناهية لنجيب محفوظ وحواره الذي سطره محسن زايد.. وجملة توفيق عبد الحميد الشهيرة: «كلنا جايين هنا علشان نشهد علي اللي مكتوبلنا في اللوح المحفوظ»..

ووقفت محتارة بعد فترة من مشاهدة كل المسلسلات الشهيرة في ثمانيناتنا وتسعيناتنا.. قلبت في ذاكرتي حتى وصلت لأجمل مسلسل كنت أعشقه.. «غدا تتفتح الزهور» و«حلوة يا زوبا» و «عايزين بابا يبقي معانا».. تلك الأغاني والموسيقي التصويرية الرائعة التي أثرت فيّ  منذ كنت طفلة.. وحتى الآن كلما سمعتها ملأت أحاسيسي  بالشجن يملؤني..

قلبت صفحات المسلسل لأصل سريعاً لمؤلف الموسيقي وبالطبع كان «عمار الشريعي» رحمه الله.. اتسعت ابتسامتي.. وهل أتوقع غيره مؤثرا بموسيقاه في وجداننا!

تلك التي أثرت في قلب طفلة صارت أماً ومازالت تملك نفس قلب الطفلة بنفس براءة أحاسيسه وإدعائها لصدقه و إعلانها عدم قدرته على التعامل بمسلمات هذا الزمان من النفاق والرياء.. تلك التي لما صارت مُسلّمات، فررت منها لمسلسلات زماني البسيط..

(5)

البساطة منتهي القوة.. أن تكون صريحا مع ذاتك.. واضحا في كلماتك دون تزييف ولا مصادمات هي تصنف من الغباء الاجتماعي، بل بذكاء.. والفرق بين الذكاء والرياء فرق النور من الظلام.. ولكن في هذا الزمان إما تكون بسيطا مغفلا أو تكون معقدا ذكيا منافقا.. لا وجود لذكاء البساطة إلا ما رحم ربي..

(6)

تأملت ملامح المسلسل الذي كتبه الرائع( يوسف عوف) رحمه الله .. الأطفال كانت ملابس نومهم من الكستور وهم من طبقة الأغنياء.. يدخلون علي أمهم بعد يومهم الدراسي قائلين لها:

- سعيدة يا ماما..

الدكتور يعلم أسماء من هم يعملون معه في (المهنة ) فلم يكن عدد الأطباء بالتأكيد بهذه الكثرة.. يرفض أخذ الفيزيتا لأنه «معملش حاجة للعيان»- على حد قوله..

حتى علاقة الحب بين محمود ياسين وسميرة أحمد.. علاقة بسيطة عفيفة تحمل الكثير من الشرف والرفعة والسمو بالمعني والتضحية والإيثار..

محمود ياسين «الأستاذ» الذي يُعلّم الأطفال مستخدماً لغة الحب واللعب واستراتيجات التعلم الحديثة..

نفس المشهد مازال له نفس وقعه المؤلم علي نفسي، الأب الشرير وهو يختطف ابنه مزورا أنه يقع ضمن حضانته.. المشهد ليس بهذا العنف حقيقة وخاصة مقارنة بحال الدنيا العنيفة وما آلت إليه الأحوال .. ولكني كطفلة آنذاك كان كذلك..

الموسيقي التي صاحبته أحدثت رابطا شرطيا في عقلي مهما تغير الزمن له إحساس واحد:

-ياااه علي الوجع!

الموسيقي إذا تُشكِّل  الوجدان خاصة للأطفال فلماذا لا نستخدمها الآن كوسيلة لبناء شخوص أطفالنا.. صنّاع مستقبل الوطن؟

مازال في ذهني هذا المشهد للرجل الطيب «محمود ياسين» وهو يعفو ويتسامح مع الرجل الشرير «جميل راتب»..

هكذا هو خير وشر بلا عقد مركبة.. وانهيار الشرير عندما قدم له الرجل الطيب يد الخير في وقت مرضه.. وإعترافه لنفسه وللرجل الطيب بأن نفسه قد ضلت وأنه رتب كل الشر الذي يحويه المسلسل.. هكذا دون مكابرة ولا معافرة.. دون أن يلعب مزيدا من دور الضحية.. بمنتهي الشجاعة ..حتى الشر كان شجاعا ..

 لم أكن وقتها أدري شيئا عن الشر المنافق الذي لا يعترف أبدا لنفسه بشره.. فنفاقه صار فنّا يتقن ممارسته حتى صار يصدق أنه ضحية وخير.. كيف انحرفت بوصلة الشخوص «حتى في وجهها الشرير» لهذه الدرجة؟

(7)

كبرت أعمار المسلسلات وصارت قديمة ولكن لم تشيخ أبدا معانيها ولا موسيقاها التصويرية التي شكلت وجداننا وحلّقت بنا في سماء الخيال والحب والإنسانية.. فالمعني باقي ولا يفني ولا تنتهي أبداً «موضته».. وخاصة في زماننا هذا الذي نعاني فيه من جفاف المعاني الحقيقية للحياة..

تلك التي تجعل الحياة حقا.. سعيدة ..

كبرت أنا أيضاً.. ولكني مازلت أحمل نفس قلب الطفلة التي تكره  مشهد أن تلك هي «الحلقة الأخيرة»

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق