الدين مبادئ.. وليس مجرد شعارات

الأحد، 11 مارس 2018 02:36 م
الدين مبادئ.. وليس مجرد شعارات
دكتور مهند خورشيد يكتب:

كم عرفت من شخصٍ ما أن تجلس معه حتى يبدأ وباسم الدين بانتقاد التكنولوجيا الحديثة كم هي لوّثت وتُلوّث البيئة، ثم إذا عاشرته عن قرب تجده لا يعبأ بما يتسبب هو به من تلويث للبيئة، فيرمي النفايات من شباك سيارته، ولا يهتم بالاقتصاد في استهلاكه للكهرباء، ولا يهتم بنظافة المكان العام الذي أكل فيه، وكم تصلنا من شكاوى من قبل الجهات الرسمية هنا في مختلف مدن أوروبا، خاصة في أشهر الصيف حين تكتظُّ بالسواح القادمين من بلادنا العربية، وذلك بسبب ما يتسبب الكثيرون به من مُخالفات للنظام العام وبسبب ما يتركونه وراءهم من فوضى حين مغادرتهم الحدائق والمنشئات العامة أو غرف الفنادق. لا أريد التعميم فهناك أمثلة إيجابية كثيرة.

الذي أتساءل عنه هو مُحتوى وعينا الديني. فلماذا لا يعبأ نفس الشخص الذي بمجرد وصوله لغرفة الفندق أو لهذا أو لذلك المكان العام فيبدأ بحساب اتجاه القبلة ومقارنة أكثر من جهاز إلكتروني وبوصلة لتحديد الاتجاه الصحيح بدقة متناهية، أقول، لماذا لا يعبأ هذا الشخص نفسه بنظام وبنظافة ذلك المكان بنفس الدقة والحرص؟ هل القِبلة فقط من الدين، أمّا النظام والنظافة فلا؟!    

وكم من شخص لا يتعب وباسم الدين من توجيه الاتهامات لهذا أو لذلك الحاكم كم هو متسلط وظالم، فإذا تعرفت عليه عن قرب، فهذه زوجته تشتكي من تسلطه وعدم احترامه لها، وهؤلاء أولاده عليهم السمع والطاعة دون أدنى اكتراث بوجهة نظرهم، فتتساءل في نفسك، إذا كان هذا وضعه مع زوجته وأبنائه، فكيف سيكون وضعه إذا حكّمه القدر على شعبٍ من الشعوب؟

كما أنك تقف مستغرباً من ذلك الشخص الذي تسمعه يتحدث عن كراهية الغرب للإسلام وعدائه للمسلمين وظلمه لهم، ثم تجده يقول لك أنّ هؤلاء الغربيين كفار وأنجاس وإذا عاشوا في بلادنا فلا يجوز مُعاملتهم كمعاملة المسلمين، فهو ينظر لغير المسلم كإنسان من درجة ثانية، لكنه يريد في نفس الوقت أن يعامله هذا الإنسان الغربي هنا في الغرب معاملة إنسانية راقية لا تعرف التمييز وإلا اتهمه بعداء الإسلام والمسلمين.

الذي أريد أن أصل إليه هو السؤال: هل هي حقاً المبادئ التي تُحركنا؟ فالمبدأ هو كالقانون العام، إنه يجري على الجميع دون تمييز. فإذا كان الحفاظ على النظام مبدأ إسلامياً، فلا تقل لي أنك متدينٌ ثم لا تحترم نظام المكان الذي أنت فيه، سواء كنت في بيتك أم في مكان عا مٍّ أم في بلدٍ غير بلدك، أم بين مسلمين أو غير مسلمين، فالمبدأ لا بُدّ أن يدعوك للالتزام بالنظام في أي شأن كنت.

وإذا كانت المحافظة على مواعيد الصلاة مبدأ إسلامياً، فلا تقل لي أنك متدينٌ ثم لا تحافظ على دقة مواعيدك واحترام وقتك وأوقات غيرك.

وإذا كان العدل مبدأ إسلامياً، فلا تقل لي أنك متدينٌ ثم لا تعطي أضعف من هم حولك حقه المادي والمعنوي كاملاً، سواء كان الأمر متعلقاً بزوجتك، أو أولادك، أو موظفيك الخ. عدم الاعتراف بالجميل هو من الظلم، عدم شكر من تعب من أجلنا هو أيضاً من الظلم، فأين مصداقية من يدعي المطالبة بالعدل وهو نفسه أبعد مَن يكون عن تطبيق ذلك في أبسط شؤون حياته اليومية، بأن يشكر مثلاً زوجته على طعامٍ أعدّته أو ملابس غسلتها. فقد يستغرب البعض لماذا جعل الرسول عليه الصلاة والسلام معاملة الرجل لزوجته معياراً للتدين: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي».

 نعم، إن محك التمسك بالخلق الرفيع هو أن يشهد على هذا الخلق تعاملنا مع القريب وخاصة ذلك القريب الذي أصبح في وعينا أنه من المفروغ منه أنه يعمل وكأنه خادم لنا، نتذمر إذا لم يعجبنا طعامه أو لم تُعجبنا خدمته. لكن الرسول أراد أن يلفت النظر إلى قيمة المعاملة الحسنة كمبدأ.     

وإذا كان إتقان العمل مبدأ إسلامياً كما قال الرسول عليه السلام أن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه، فلا تقل لي أنك متدينٌ ثم لا تحرص أن تتطلّع إلى الكمال في كل ما تعمل مهما صغُر ذلك أم كبر.

لا تقل لي أنك متدينٌ ثم لا تسعى أن تكون الأفضل في مجالك، سواء كنت مدير شركة، أم طالباً، أم أستاذاً، أم رياضياً، أم مذيعاً، أم أباً، أم أماً، أم عماً، أم خالاً، أم ربة بيت الخ. ليكن التطلع إلى التمَيُّز من خلال إتقان كل ما نعمل هو مبدأنا، مع العلم أن الكمال لله وحده، لكن الإنسان مطالبٌ بالمثابرة والاجتهاد والسمو دائماً.    

وإذا كان حسن الخلق مبدأ إسلامياً، فلا تقل لي أنك متدينٌ ثم لا تعامل هذا أو ذلك الشخص برقي الأخلاق، سواء كان مسلماً أو غير مسلم، قريباً أو بعيداً، صديقاً أو عدواً.

الذي دفعني لكتابة هذه الأسطر، هو ما ألاحظه من كثرة شكوانا هنا في الغرب من أمورٍ لم نكن لنُنصِف الآخر في كثير منها لو كان الوضع معكوساً، أي لو كنّا نحن كمسلمين الأغلبية وهم الأقلية. وهذا هو المحك لمصداقيتنا حين نقول أن الإسلام حمل معه مبادئ إنسانية تريد أن تُثري حياة البشر الروحية والأخلاقية. فإن أردنا كمسلمين أن نعرف إن كانت تصرفاتنا مع الآخر نابعة عن مبدأ أم لا، فما علينا سوى الإجابة على هذا السؤال بصراحة مع أنفسنا: هل نحن على استعداد أن نعامل الآخر الغير مسلم إذا أصبح هو أقلية ونحن الأكثرية في مجتمع ما كما نُريد نحن اليوم منه ونحن أقلية في الغرب أن يعاملنا؟ نحن نريد هنا حرية ممارسة ديننا الإسلامي، حرية تغطية الرأس لمن أرادت من المسلمات، حرية تدريس الإسلام في جميع المدارس العامة، حرية المشاركة السياسية والاجتماعية، حرية بناء المساجد، وقبل كل شيء نريد أن يعاملنا الآخر بكل احترام وتكريم دون التمييز بين المسلم وغير المسلم.

 إذا لا ترى أن لغير المسلم الحق في مثل هذه الحريات إذا أصبح هو الأقلية الدينية، فلا تقل لي أن المبدأ هو الذي يحركك، بل هي النظرة الاستعلائية للآخر والتي كثيراً ما نبررها بالإسلام، وهنا سنفقد مصداقيتنا كمسلمين. لكن هل يُعقل أن يكون تديننا تديناً نفعياً بلا مبادئ؟ هل يُعقل أن مجرد المصلحة الذاتية لنا كمسلمين هي التي تحركنا للمطالبة بحرية ممارسة ديننا في الغرب؟ هل نريد أن نقدم ديننا على أنه دين استغلالي لا يدعو أبناءه للالتزام بالمبادئ، وحاشاه؟

من السهل أن نرفع الشعارات الجميلة أننا كمسلمين أفضل الناس وأكثرهم تطوراً ونفعاً للبشرية وأعظمهم خلقاً وأكثرهم قراءة وكتابة وترجمة الخ. لكن لننظر للواقع ولنتساءل سوياً، أين هو مسلم اليوم الموكل إليه عمارة الأرض من هذه الشعارات؟ لماذا لم تصبح المعرفة والنظام ودقة الوقت وإتقان العمل ورقي الأخلاق وكثير غيرها مبادئ تحركنا؟ وأين هذه المبادئ التي هي شروط عمارة الأرض من وعينا الديني؟

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق