لقطة كاميرا

الخميس، 22 مارس 2018 12:00 م
لقطة كاميرا
هبة العدوى تكتب:

-ايوه اظبط وقفتك.. تمام كده يا حبيبي
 
رأيتها تأخذ له اللقطة وهو يقف أمامها كبطلها الهمام، تنصحه بهمة وصوت من فرط بهجته واهتمامه ألقي في أعيني نفس الإهتمام . 
هي حريصة أن يكون في أتم بهائه.. تقف بعيون إمتلأت فخرا وسعادة لتأخذ لقطتها من احساسها الذي يغمرها وكأنها لا ترى من الدنيا كلها إلاه.. وهو طفلها الصغير شبعته بإحساسها به, فأمتلأ المكان بجلجلة ضحكاته.. 
كان يقف ممسكا بشهادة تميزه  كُتِب عليها اسمه خصيصا تقديرا لتفوقه الرياضي أو التعليمي.. لم تبد لي الكلمات جيدا من بعد المسافة بيننا .. 
ولكنه سرعة ضوء  وصول الاحساس..
هذا الذي ما إن لمسني, حتي رسم على وجهي نفس ذات الحب بنفس قوة ما كان يعتلي وجههما من الإبتسام .. 
 
*
أما هو فقد رأيته يوما من ايام الجمعات,  تلك التي اعتدت فيها ان استيقظ باكرا لاستمتع بجمال وسحر القاهرة في السابعة..أرتديت زيي الرياضي وحذائي المريح وربطت طرحتي بشكل يتيح لي حرية الحركة في محراب إعتدت فيه أن أملي عيني من جمال خلق الله شجرا وسماءا وبشرا يمشون علي الأرض هونا وسلاما وزقزقات عصافير وهمهمات يمام.. 
كان يطل بوجهه من وراء الشِباك السوداء التي أحاطت بملعب كرة القدم وسط صيحات الصبيان ..
وكأن قلبه يقفز من مكانه وهو يتابع بعيونه حركة أبنه حتي بلغ إحساسه ذروته فأنطلق قافزا قائلا :  
يالا يا مااازن .. -
تركيز عيناه والتصاقهما بالِشباك, مع يديه التي يغرس اصابعهما فيها، جعلني اهتم به واتابعه كلما لامست حركتي في تراكي، مكان سكونه.. كان يرقب ويترقب بإصرار من لا يريد ان تفوته ولو لقطة واحدة من المباراه الدائرة على أرض الملعب الذي يحيط به ( تراك ) حركتي..  
تلك أهم مباراة يتابعها اي اب.. تلاقت عينانا, فسري بيننا نفس ذات الإحساس  ووجدتني أشجعه وأرفع رأسي لله أدعو له كما لو كان ابني هذا الذي في المباراة .. 
 
*
سرحت عيناي في الحياة، هي مجموعة صور نأخذها بكاميرا من عيوننا ..تلك التي صنعها لنا  الله ..
ولكن شتان بينها وبين الأخري الجامدة التي صنعها الإنسان ..الأولي مفعمة بالأحاسيس أما الاخري فهي تكون ( فور كيه ) إن إستطاعت فقط أن تلتقط جودة تفاصيل مظهر الصورة بلا أدني عمق للأحاسيس ..
*
تذكرت لقطة كان يأخذها مسافرٍ يقف لثوان معدودة يُملي عينيه من أهله، من أرض وطنه، من لافتات كُتِب عليها " توصل بالسلامة".. تمتم  ناظرا لها قائلا: 
-يارب ارجع لكم بالسلامة..
أغلق مقلتيه على آخر صورة لكل ما يعشقه واستدار حاملا حقيبته.. ومن يوم سفره لم يفتح احساس عيونه ابدا مع أنه مر عليه ما يقارب السنة..
احساس العين يفرق تماما عن بصرها.. 
*
تنقلت عيناي إليه يقف صامدا على الحدود وكل احاسيسه المبهجة تهتف قائلة :
-من يقدر أن يأذي بني وطنه وانا علي قيد الحياة !! 
بعينين كالصقر يلتقط  اي أذى قد يقترب من تبر ترابها .. 
تلك لقطة نتمنى دوما, أن لا يقترب ابدا منه أذاها ولا من شبر واحد من ارضها ..
 
**
أم في شرفتها ترقب ملهوفة بعينان قلقة ابنها الغائب.. وحارس لا تنام عينه ليله ابتغاء رزقه.. وحبيب اقلقه صورة حبيبته فباتت عيناه تتقلب فوق جمر الشوق ولهيب الاشتياق ومنذ متى والصب تنام عيونه!!
وأصدقاء يقفون في نهاية نزهتهم يلتقطون صور لذكري ضحكاتهم ..
وعروس في فرحها قد أتمت زينتها متأبطة ذراع حبيبها في فرحة ليلة عمر حبهما .. يتمنون لو التقط لهم المصور إحساسهم كما يلتقط صورهم.. فكلما أهمتهم الحياة بهمومها, أخرجوا الصور التي تنطلق معها أحاسيسها فترد من جديد لعيونهم ولو للحظات,  قصة حياة حبهم وعشقها.. 
 
*
بشر نحن نلتقط الإحساس بعيون أو بكاميرات.. 
كلنا مصورون, أفلح منّا من تنّقل فقط بين لقطات يصدق فيها الاحساس..وأغمض عينيه بكامل إرادته عن كل ما يقلقل صدق قلبه .. 
في زمنٍ عز فيه صدق اللقطة وصدق المصورون وصدق الاحساس..
فباتت أعين من يظنون بأنفسهم صادقين ترقب لقطات يوقنون أن احساسها من فرط صدقه، هو سلواهم كلما غابت عن أعينهم صدق تفاعل الناس مع الناس.. 
خاب منّا  من زاغت عيونه, التي ما أزاغها إلا أنها لم تصدق في التقاط صورها..
 وأخرى كاذبة التقطت صور مزيفة ووضعتها في قلبٍ لم يُخلَق ليحتفظ بأي زيف، فصارت أعينهم حياري من فرط خواء قلوبهم من صدق الاحساس..
 
*
الصادقون فقط هم بشر مصورون لأجمل لقطة تُحيي قلوب أعيتها الحياة، أو تصد أذي لقطة قد تفسد على الصدق، جمال الحياة ..
ألا صدقتينا يا أعين فصرنا بقلوبٍ تدرك معني صدق صور سعادة الحياة !!

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق