متسولون على نفقة الدولة

الثلاثاء، 27 مارس 2018 04:17 م
متسولون على نفقة الدولة
حسين عثمان يكتب:

أعلم أن مشهد الانتخابات الرئاسية يسود اهتمامات الجميع، سواء كان متفاعلاً مع المشهد تفاعلاً إيجابياً أو سلبياً أو تفاعل المراقبين في صمت، ولكن دعوني أتوقف بكم عند مشهد وثيق الصلة بحياة المصريين اليومية، ولا أبالغ حين أقول بأنه يشكل حملاً نفسياً على أي وكل مواطن مصري، ليس فقط في شوارع القاهرة، والتي يغلب عليها المشهد المؤلم، ولكن في مختلف محافظات الجمهورية، وإن لم أره رأي العين، فلأن عقلية أجهزة المحليات التنفيذية واحدة وإن اختلفت المواقع.

ولكن تبقى القاهرة هي القاهرة، وفيها هيئة منشأة بقرار جمهوري عام 1983، تحمل اسم الهيئة العامة لنظافة وتجميل القاهرة، وتضم 5 إدارات مركزية، و14 إدارة عامة، ويعمل بها 15 ألف موظف ومهندس وعمال نظافة وحدائق وإنقاذ مركزي، موزعون على 36 فرع هيئة بكل أحياء القاهرة بمناطقها الأربعة، وتتلخص رسالة هذه الهيئة حسب موقعها الإلكتروني التجريبي، وطول بالك معايا هنا شوية، في جمع القمامة والمخلفات بجميع صورها من مختلف مصادرها ونقلها إلى الأماكن المحددة لتجميعها ثم التخلص منها، وإنشاء إدارة مصانع تحويل القمامة إلى سماد عضوي، وإجراء الإصلاحات العاجلة بالشوارع والطرق بما يكفل نظافتها حتى يقوم المرفق المختص بإجراء الإصلاحات اللازمة.

وكذلك اتخاذ الإجراءات العاجلة لإزالة المخلفات الناتجة عن أعمال الحضر في الشوارع والطرق بسبب أعمال المرافق العامة في حالة طفح المجاري أو تسرب المياه وإعادة الحال إلى ما كان عليه، والتنسيق مع أجهزة المرافق الأخرى المتصل نشاطها بأغراض الهيئة، والعناية بالحدائق العامة وغرس الأشجار بالميادين والشوارع والطرق، وتوعية المواطنين وحثهم على المحافظة على نظافة وجمال المدينة، وتوفير العمالة المدربة على أعمال النظافة وتدبير الأدوات والمهمات والآلات اللازمة لتحقيق أغراض الهيئة، وإنشاء الحدائق العامة بجميع مناطق القاهرة، والقيام بأعمال الإنارة العامة بالأعمدة بمختلف شوارعها، وأخيراً القيام بالمساعدات الرئيسية من خلال الإنقاذ المركزي في حالات الإزالات والكوارث مثل انهيار المنازل ورفع الأنقاض.

شيء جميل وواضح ومحدد، ولكن على الموقع الإلكتروني فقط لا غير، راجع تحركاتك اليومية وما تقع عليه عيناك خلالها من مشاهد، لتعكس أمامك وضعاً مذرياً مقارنة بهذه الإنشاء التعبيرية المُنمَقة، وإن كان الحديث طال وتكرر طوال سنوات طويلة، عما تعانيه مختلف مناطق وأحياء القاهرة من قذارة، اعتادها المواطنون حتى تعايشوا معها، فأنا لا أفعل اليوم إلا أنني أطالب مسئولي الهيئة العامة لنظافة وتجميل القاهرة، بإضافة نشاط جديد على أنشطتها الموضحة، ولعله يكون الأكثر مصداقية من بين هذه الأنشطة المُضَلِلة، ألا وهو التسول على نفقة الدولة، فالجموع المنتشرة في كافة أنحاء القاهرة وضواحيها وشوارعها، لا تفعل سوى أنها تتسول، تتسول وفقط.

تراهم يرتدون زياً رسمياً يحمل شعار الهيئة، يمسكون المكانس، ويوزعون أنفسهم على الطرق والأرصفة، الاسم تنظيف الشوارع وجمع القمامة، أما الفعل فهو التسول بكافة سلوكياته القميئة المُنفِرة، ولا يُدهشك أكثر من أن جميعهم من العجزة كبار السن، ملامح وجوههم تكسوها علامات المرض، ولغات أجسادهم تؤكد عليها، فهم وقوف لا يتحركون معظم الوقت، يد تسند على المكنسة، والأخرى تمسك بالظهر، ونظرات العين تترقب وتنادي السائر على قدميه، قبل من يقترب من إشارة المرور بسيارته، أو من يهم بركنها قرب المنزل أو العمل، والذي يرتكب حماقة حين يفكر في صدقة تسير فرضاً واجباً يومياً في نفس المكان، ولعدد يتزايد يوماً بعد يوم.

قسوتي هنا ليست على هؤلاء المساكين بقدر ما هي على أجهزة تمثل الدولة، ولا تفعل إلا أنها تزيد مشاكلها، بل وتقوم بصناعتها من الأصل، فهؤلاء يتقاضون مرتبات شهرية، قد يكون معظمهم عمال يومية، وأجورهم هزيلة، ولكنها في النهاية رقم في بند واحد في محافظة واحدة، يذهب في الهواء دون فائدة أو عمل حقيقي يقابله، ولا يذهب بأصحابه إلا إلى سبل المهانة في أواخر العمر، أكرم للدولة أن تمنح هذه المبالغ لهؤلاء كإعانة شهرية، وهم في منازلهم، وأفيد لها أن تختصر أعدادهم، في عدد أقل من شباب غير مؤهل ويفتقد المهارة، ولكنه قادر على العمل ولا يجده بأي حال من الأحوال.       

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

        

     

 

 

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

الأكثر تعليقا